قراءة في خطاب ترامب

تحديات ما بعد الاعتراف الاميركي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني؟

07 كانون الأول 2017 - 02:16 - الخميس 07 كانون الأول 2017, 14:16:29

القدس المحتلة
القدس المحتلة

وكالة القدس للأنباء – خاص

وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابه الذي ألقاه أمس الأربعاء في السادس من كانون الأول/ ديسمبر الجاري، وأعلن فيه اعترافه بالقدس عاصمة لكيان العدو الصهيوني، داعياً وزارة خارجيته للبدء الفوري بالإجراءات الرسمية لنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس... وضع ترامب حداً لمرحلة طويلة امتدت على مدى نصف قرن كانت حبلى بأوهام "السلام العادل والشامل"، وبسراب "المفاوضات" و"التسويات" المستندة لـ"الراعي الأميركي النزيه" الذي قال عنه الرئيس المصري الأسبق أنور السادات أنه "يمتلك 99 بالمائة من أوراق التسوية"...

وهذا الموقف الواضح والوقح في آن والذي اعتبرته قوى المقاومة الفلسطينية بمثابة إعلان حرب على فلسطين وقضيتها وعلى الأمة العربية والعالم الإسلامي، حرم  كل "حلفاء" أميركا وأتباعها في المنطقة من ورقة التوت التي غطت حقيقة مواقفهم من الصراع العربي الصهيوني، من جهة، وخذلانهم للشعب الفلسطيني ومقاومته، وخيانتهم لقضيته، التي تعتبر قضية الأمة المركزية، والتي انتهت بهم في الآونة الأخيرة لوسم القوى المقاومة للعدو الصهيوني بـ"الإرهاب"، وبإشهار تعاونهم وتنسيقهم وتطبيعهم مع كيان العدو الصهيوني، من جهة أخرى.

فقد تجاوز ترامب في خطابه الذي لم يدم أكثر من 11 دقيقة، كل الرؤساء الأميركيين السابقين الذين تناوبوا على حكم الولايات المتحدة منذ العام 1995 الذي شهد ولادة قانون أميركي ينص على نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، ويجيز للرؤساء إرجاء تطبيقه ستة أشهر، واستخدمه الرؤساء السابقون بيل كلينتون وجورج بوش وباراك أوباما... كما تجاوز هذا الموقف كل توقعات المتفائلين والمتشائمين التي سبقت الإعلان.

بالرغم من أن هذه الخطوة التي نفذها ترامب لا تعدو كونها ترجمة عملية لما تضمنته مواقفه وبياناته وخطاباته ووعوده التي قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية، والتي اتسمت بإشهار الحرب على المسلمين، عامة، وعلى القوى المقاومة لكيان العدو الصهيوني بخاصة، فإنها عززت انحيازها المطلق لـ"إسرائيل" التي وعدها بأعلى مستويات الدعم والمؤازرة عسسكريا وسياسيا واقتصاديا وفي المحافل الدولية... ومنحها الغطاء الدولي لمواصلة حربها المفتوحة على الفلسطينيين، لانتزاع ما تبقى لديهم من حقوق وممتلكات، وإطلاق سياساتها التهويدية ومخططاتها الاستيطانية على امتداد الأرض الفلسطينية، وبخاصة في مدينة القدس التي تحتضن مقدسات المسيحيين والمسلمين، المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وكنيسة القيامة.

إن القرار الأميركي الذي اعتبره ترامب بأنه "ليس أكثر أو أقل من الإقرار بحقيقة" قد تخطى كل القرارات المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني، عامة، والقدس بخاصة، الصادرة عن مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة وليس آخرها قرارات الأونيسكو التي أكدت هوية القدس العربية الاسلامية..

كما أنه أسقط "حل الدولتين" بجعله رهينة بيد حكومة العدو الصهيوني، الرافضة أصلا لهذا الحل، من خلال تشديده على أن بلاده تؤيد حل الدولتين في حال "اتفاق" الطرفين بهذا الشأن. مضيفاً أن "الولايات المتحدة مصممة على المساهمة في تسهيل إبرام اتفاق سلام مقبول من الطرفين"، موضحا أنه "سيبذل كل ما يستطيع للمساعدة على إبرام اتفاق من هذا النوع"...

ناهيك عن أن هذا القرار الذي أعلنت معظم دول العالم رفضها له، يشكل ضربة قاتلة لمسار التسوية السياسية، الذي قدم خلاله النظام العربي الرسمي، وبعض القوى والأحزاب التابعة له، كل التنازلات المطلوبة، من أجل أوهام "السلام العادل والشامل" وسراب "الدولة الفلسطينية"، ولم ينالوا من الإدارات الأميركية حتى على "جوائز" ترضية، عن خدماتهم وتنازلاتهم وخذلانهم لشعوب أمتهم وقضيتها المركزية وللقدس الشريف التي لم تسلم من شرور التحالف الاستعماري الصهيو اميركي...

وبالرغم من الوضوح الذي اتسم به خطاب الرئيس الاميركي والقرار الذي اتخذه بشأن القدس، فإن البعض ومن بينهم رئيس السلطة محمود عباس وبعض رجالاته، حاول التخفيف من وقع هذا القرار ونتائجه على القضية الفلسطينية من خلال ادعائه بأن القرار لا يغير على أرض الواقع شيئاً... وذلك

تبريرا لعدم خروجهم من مسار التسوية والمفاوضات وكل مترتباتها على أرض الواقع، وبالتالي التنصل من اتخاذ أية مواقف قد تشتم منها رائحة "الرفض" أو "المواجهة"، وبالتالي إعلان البراءة من أية ردود فعل تحصل خارج الأطر المسموح بها من قبل السلطة!..

إن قرار ترامب، الذي يعتبر توأم "وعد بلفور" و"تقسيم فلسطين" يضع المنطقة أمام تحول خطير، لكونه قدم هدية ثمينة لحكومة العدو، هي بمثابة ضوء أخضر لها، لتسريع خطوات تهويد القدس والمسجد الأقصى المبارك وطرد أبناء المدينة المقدسة بهدف تعزيز غلبة المستوطنين الصهاينة في أحيائها وحاراتها وكافة مناطقها، واستكمال التغول الاستيطاني في أوسع مساحة من الضفة المحتلة وجلب المزيد من المستوطنين الذي تطمح حكومة العدو لوصول أعدادهم إلى عتبة المليون صهيوني.

إن قرار ترامب لا يستهدف فلسطين والفلسطينيين، فحسب، وإنما يستهدف العرب والمسلمين مجتمعين، والرد عليه لا يكون ببيانات الشجب والتنديد والاستنكار، وإنما بالعمل الجاد الذي يبدأ بممارسة شعوب أمتنا العربية، والعالم الاسلامي كل أشكال الضغط لدفع الانظمة ومن بينها سلطة الحكم الاداري الذاتي الفلسطينية للتحرر من اتفاقيات التسوية، ووقف كل أشكال التطبيع والتواصل والتنسيق مع العدو الصهيوني، وفرض المقاطعة الشعبية والحصار الكامل على المؤسسات الأميركية، وتصعيد كل أشكال المقاومة، والمسلحة منها بالمقدمة على امتداد الأرض الفلسطينية، خاصة وأن الشعب الفلسطيني يعيش هذه الأيام في رحاب الذكرى الثلاثين لانتفاضة أطفال الحجارة،  التي كشفت بفعالياتها المتواصلة على امتداد سبع سنوات، وإرادة شعبها الصلبة ومقاومتهم المتصاعدة رغم كل إجراءات وممارسات العدو القمعية، وعرَّت عجزه وضعفه، وأسقطت حكومات صهيونية وقادة عسكريين وأمنيين بسبب فشلهم الذريع عن وضع حد لانتفاضة أبطالها أطفال الحجارة!..

انشر عبر
المزيد