"صدى القيد" لأحمد سعدات، أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

07 كانون الأول 2017 - 09:38 - الخميس 07 كانون الأول 2017, 09:38:46

صدى القيد
صدى القيد

قراءة بقلم / راغدة عسيران

كتاب "صدى القيد"، لأحمد سعدات، إصدار دار الفارابي، نيسان 2017

ما هو العزل الانفرادي، وما هي أنواعه، وكيف يعيش الأسير المعزول في الزنزانة، وكيف يتم التحايل على القوانين الصهيونية من قبل مخابرات العدو وإدارة السجون وحتى من قبل رجال الشرطة الحاقدين والعنصريين والأغبياء، لتحميل الأسير المعزول أكبر قدر من المعاناة ومحاولة إهانته وتدمير نفسيته؟ لماذا يتم العزل وما هي أهدافه بالنسبة للمؤسسة الصهيونية ؟ هذه هي المواضيع التي يتناولها كتاب القيادي أحمد سعدات، باستعراضه "أحد أشد أساليب التعذيب قسوة الذي مورس بحق الأسرى والمعروف بسياسة العزل الانفرادي".

رغم صدور العديد من الكتب حول الأسرى ومعاناتهم وحول الحركة الأسيرة ومعاركها، يلقي هذا الكتاب الضوء على جانب من جوانب حياة الأسرى التي عاشها المؤلف شخصياً، بعد اختطافه من سجن أريحا في آذار 2006، وهو سياسة العزل. واليوم، يعاني العديد من الأسرى من هذا النوع من التعذيب، ومنهم الأسير أيمن ابطيش، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، بعد خوضه الإضراب عن الطعام رفضا للاعتقال الإداري.

تضع المؤسسة الصهيونية الأسير في العزل لأسباب عديدة، أولها "لكسر شوكة الأسير وإذلاله"، ثم كعقاب له، أو بذريعة أنه يهدّد أمنها، أو لعزل قيادة الحركة الأسيرة ومنعها من التواصل مع الأسرى لمنع أي تحرك ضدها. يضيف الكاتب الى هذه الأسباب عزل "الفارين من غرف المعتقلين" (وهم ليسوا بالضرورة جواسيس يعملون لصالح المحتل)، الحالات المرضية والجنائيين، من فلسطينيين أو "إسرائيليين".

لقد شرّعت المؤسسة الصهيونية سياسة العزل عندما أصدرت قانون مصلحة السجون عام 1971، والذي سمح بعزل الأسير بذريعة أمنية، غير أن الممارسة الفعلية تجاوزت هذه الذريعة الواهية، حيث أصبح قرار العزل يتخذ أحياناً من قبل مدير السجن ويتم تمديده مراراً. ثم أصدرت المؤسسة الصهيونية تعديلاً لهذا القانون عام 2006، فوسّعت معايير احتجاز المعتقل في العزل، مع "كلمة السر" المعتادة، أي "الملف السري"، كما هو الحال للاعتقال الإداري. "هذه الكلمة تغطي كل تجاوزات القانون الشكلي ومنها الاعتقال الإداري والعزل والإبعاد ولتصل إلى حد الاغتيال".

يؤرخ الكاتب بداية سياسة العزل مع الاحتلال ومقاومة الاحتلال، وقد افتتح العدو العديد من مراكز العزل في سجونه، حيث كان يزج الأسرى، وخاصة "أسرى الدوريات" (المقاومين الذين كانوا يعبرون "الحدود" لتنفيذ عمليات). كان يتم عزل أسرى القدس ومناطق 48 في "معتقل الرملة الذي جهّز خصوصا لهذا الغرض" والذي بقي قائما حتى العام 1987.

ولكن قبل ذلك، ماذا تعني سياسة العزل؟ تعني أولاً "وضع الأسير في حيّز مكاني يتميّز بالضيق الفيزيائي، خالٍ من أي مظهر من مظاهر الحياة المختلفة... لإبقاء الأسير في حالة حصار وانحباس دائيمن"، فتكون الزنزانة معتمة وضيقة وقذرة ورطبة تفوح منها رائحة العفونة. والعزل أنواع، منه العزل الانفرادي، حيث يكون الأسير وحيداً في الزنزانة، أو بصحبة أسير آخر، كما شرّعه القانون الصهيوني. يكون "العزل المزدوج" أحياناً أشد صعوبة من العزل الانفرادي؛ ذلك أن الأمر مرتبط بقدرة الأسيرين "على الانسجام في حياة مشتركة شديدة الانحسار"، ولكن قد يؤدي هذا النوع من العزل إلى "بناء نوع من العلاقات الروحية الراقية فيها البعد الإنساني العالي وتخلق أرقى أنواع الصداقة". هناك أقسام العزل في السجون، تكون أحياناً في بناء آخر. من بين هذه الأقسام، يمتاز عزل أيالون في سجن الرملة، والذي افتتح عام 2007، بتصميمه "على أساس حرمان المعزول من رؤية الفضاء الخارجي المحيط، ومنعه من تحسس بعض ميزات المحيط الخارجي أو سماع بعض أصوات مجتمع السجن البعيد أو تحسس المشاهد الكونية الطبيعية مثل شروق أو غروب الشمس، أو رؤية القمر أو بعض النجوم في الليل".

يضيف الكاتب إلى هذه الأنواع من العزل ما يسمى بـ"عزل السينوك"، وهو "عبارة عن زنازين على هيئة قبور، مساحتها بحجم فراش النوم فقط.. مغلقة تماماً، ودون تهوية أو إنارة أو مرحاض أو حمام، لا يستطيع المعتقل فيها التحرك".

يناقش الأسير القيادي أحمد سعدات ذرائع العدو وتبريراته لعزل الأسرى، ويثبت أن السبب الحقيقي هو الانتقام من الأسرى وكسر الروح المعنوية لديهم ونفسيتهم، ذلك لأنه يتم عزل بعض قياديي حركة المقاومة مباشرة بعد الاعتقال وخلال التحقيق كما حصل مع الأسير ضرار السيسي، الذي اختطف من أوكرانيا، قبل التأكد من أنه يشكل "تهديداً أمنياً" للاحتلال. ثم يتم معاقبة الأسرى المعزولين بمنعهم من الزيارة (الأهل والمحامين) ومن الفورة والكانتينا أحياناً، من استقبال الرسائل، وتصادر مقتنياتهم وكتبهم القليلة، وتفرض عقوبات مالية عليهم، ويتم ضربهم بالغاز المسيل للدموع والعصي، ويقيّدون لدى تنقّلهم إلى المحاكم أو أقسام العزل في سجون أخرى. يبرهن بذلك أن حجة "التهديد الأمني" غير صالحة إضافة إلى أن الأسير المعزول يعاقب أكثر من مرة لسبب واحد. لذلك، فهو يعتبر أن العزل الانفرادي هو إجراء "انتقامي".

يشير الكاتب أيضاً إلى مسألة مهمة تلقي الضوء على ممارسات الاحتلال القمعية إزاء كافة الأسرى، أي اعتبارها الإنجازات والحقوق التي ناضلوا من أجلها واستشهد بعضهم لتحقيقها، "امتيازات" يمكن سحبها متى يريد، بحجة تطبيق "قانونها". ويتم سحب هذه "الامتيازات" من الأسرى عند تراجع نضال الحركة الأسيرة أو تشتتها وانقسامها: "عندما اتسعت الحقوق وسمح للإدارة بالتعامل معها كامتيازات، اخترقت مديرية السجون القلعة الصلبة للحركة الأسيرة وأغرقتها في تفاصيل الحياة اليومية". بالنسبة للمؤلف، هذه التفاصيل الشخصية والهموم المملّة والقاتلة التي تريد المؤسسة الصهيونية إغراق الأسرى فيها، ولا سيما المعزولين منهم، هدفها "حجب اهتمام الأسير بالأمور العامة والجوهرية المرتبطة بالهم العام الاعتقالي والقضية الوطنية التي وجدنا هنا من أجلها".

يستحضر المؤلف في الكتاب أسماء أسرى كثر تم عزلهم أو اغتيالهم، منهم الشهيد ابراهيم الراعي (اغتيل عام 1988) من قيادة الجناح العسكري للجبهة الشعبية، والأسير "الإسرائيلي" عالم الذرة مردخاي فنونو الذي عزل 11 سنة متواصلة، لأنه فضح التجارب النووية في كيان العدو، والأسير

الياباني أوكوموتو الذي تم تحريره في صفقة "الجبهة الشعبية - القيادة العامة"، وقياديي حركة حماس، عبد الله البرغوثي وإبراهيم حامد، وآخرين الذين قاوموا سياسة العزل بصلابة انتمائهم الوطني والعقائدي.

يعدّد القيادي أحمد سعدات مقومات الصمود في السجون الصهيونية، وأولها صلابة انتمائهم التي مكّنتهم من "تأسيس مجتمع خاص فرض منطقه وقيمه على كل مكونات العزل، قيم التضامن والألفة والمحبة"، ثم وحدة الأسرى التي وسّعت محيطهم الاجتماعي رغم عزلهم، من خلال عائلاتهم والإذاعات التي تنقل أخبارهم. قام المحامون بدور مهم في التخفيف عن عزلتهم حيث كانوا ينقلون الرسائل وأخبار المتضامنين "الأمميين"، إلى جانب تحرك الحركة الأسيرة "الدائم لفتح ملف العزل".

يذكر في هذا الصدد الإضرابات التي نفذها الأسرى لإنهاء سياسة العزل، كان آخرها في العام 2012، بمشاركة حوالي 2000 أسير، حيث رضخت مصلحة السجون لمطالبهم، قبل أن تعود إلى هذا الإجراء "الانتقامي" بعد أقل من سنة، ويؤكد على أن "الإضرابات هي الوحيدة القادرة على إنهاء العزل"، ما يتطلب تماسك الأسرى ووحدتهم أمام السجان ومؤسسته، ومساندتهم من قبل الشعب الفلسطيني بكافة مكوناته الاجتماعية والسياسية معهم، وتضامن الشعوب الحرة معهم.

لذلك، يستخلص الكاتب من تجربته الشخصية وتجربة الأسرى الآخرين "ضرورة إعادة الاعتبار لتماسك الحركة الأسيرة ودورها الكفاحي وصلابة منظماتها"، ويرى أن "المناعة الضرورية لحماية تماسك الأسير هي تصليب انتمائه إلى قضيته وتعزيز انتمائه إلى الجماعة وقيمها".

انشر عبر
المزيد