دراسة صهيونية جديدة تحذر: "هجرة يهودية سلبية" متزايدة من النقب والجليل إلى منطقة الوسط!

27 تشرين الثاني 2017 - 10:57 - الإثنين 27 تشرين الثاني 2017, 10:57:11

هجرة يهودية سلبية
هجرة يهودية سلبية

وكالة القدس للأنباء – متابعة

دأب الكيان الصهيوني، منذ سنواته الأولى، على وضع وتنفيذ المخططات الرامية إلى الاستيلاء على كامل الأراضي الفلسطينية في منطقتي الجليل والنقب من خلال إقامة المستوطنات والبلدات اليهودية على الأراضي العربية التي صادرتها من أصحابها الشرعيين.  ولتكريس سيطرتها هذه، عمدت إلى اجتذاب أعداد كبيرة من اليهود، سواء المقيمين أو المهاجرين الجدد، للانتقال والسكن في هذه المستوطنات والبلدات، بمنحهم جملة كبيرة ومتنوعة من الإغراءات والامتيازات، الاقتصادية والاجتماعية، التي أتت أكلها طوال سنوات عديدة.

ولم تدخر السلطات الصهيونية والوكالة اليهودية وأذرعها الاستيطانية أي جهد، على جميع المستويات وفي جميع المجالات، لتحقيق نبوءة دافيد بن غوريون من عام 1950 بشأن "توزيع السكان واحتلال القفر".  ورصدت، لهذا الغرض، ميزانيات طائلة جداً قامت بوساطتها بتنفيذ مخططاتها هذه، تحت عناوين مختلفة كان أبرزها "تطوير النقب والجيل"، الذي كان ـ ولا يزال ـ يعني "تهويد الجليل والنقب"، وهو العنوان / الاسم الذي لم تجد السلطات الصهيونية أي حرج في إطلاقه على مشروعها الكبير هذا، بصورة مباشرة وصريحة.

وكانت سياسة الحكومات الصهيونية الرسمية في مجال مصادرة الأراضي العربية وانتزاعها من أيدي أصحابها الشرعيين لوضعها تحت خدمة وتصرف اليهود في مستوطنات وبلدات عديدة جداً أقيمت بين القرى والمدن العربية وعلى أراضيها، تتمتع بمستويات عالية من التطوير، في جميع المجالات (البنى التحتية، المرافق الخدماتية، المناطق التجارية والصناعية، الزراعة وغيرها)، بينما بقيت القرى والمدن العربية تتخبط في أزماتها المتراكمة والمتفاقمة، سنة بعد أخرى ـ هذه السياسة احتلت مكاناً لافتاً في التقرير الذي وضعته "لجنة أور" الرسمية التي حققت في هبّة أكتوبر 2000، خلفياتها وسيروراتها ونتائجها، وفي مقدمتها استشهاد 13 شابا عربيا برصاص الشرطة الصهيونية.

فقد أفردت "لجنة أور"، في تقريرها، فصلاً خاصا وموسعاً لما أسمته "الحرمان الذي يعاني منه العرب في إسرائيل في مجال الأراضي".  وكتبت اللجنة في سياق هذا الفصل: "في السنوات الأولى على قيامها، استولت الدولة على مساحات واسعة من أراضي العرب.  وقد سُخِّرت عمليات المصادرة هذه، بصورة واضحة ومعلَنة، لخدمة مصالح الأغلبية اليهودية، إذ أقيمت على هذه الأراضي المصادَرة مئات البلدات اليهودية، بما فيها مدن جديدة (مثل "نتسيرت عيليت" و"كرميئيل").  وقد شكلت عمليات المصادرة المكثفة هذه في الخسمينيات والستينيات، في الوعي الجماعي لدى العرب في "إسرائيل"، مشروعاً للنهب والتمييز".

وأوردت "لجنة أور" مثالاً صارخاً لما سجلته ما حصل في قرية / مدينة سخنين العربية: ففي سنوات الانتداب البريطاني، بلغت مساحة الأراضي التي كان يمتلكها أهالي سخنين نحو 70 ألف دونم، تقلصت خلال العقدين الأولين من عمر دولة "إسرائيل" إلى 9700 دونم فقط، من بينها 4450 دونما فقط للبناء السكني، ما يعني أن سخنين ـ لوحدها ـ فقدت 87% من مجمل أراضيها وأصبحت الكثافة السكانية فيها بمعدل 191 متراً مربعاً للفرد، بينما بلغت الكثافة السكانية في مدينة كرميئيل التي أقيمت، بداية، على أراض مصادرة من أهالي سخنين، 524 متراً مربعاً للفرد.

وأشارت "لجنة أور" إلى حقيقة أنه خلال العقود الأولى من عمر الكيان أقيمت أكثر من 700 بلدة ومدينة يهودية جديدة، بينما لم تُقم أية بلدة عربية جديدة (باستثناء واحدة فقط في منطقة النقب خُصصت "لاستيعاب" المواطنين البدو الذين تم ترحيلهم وتهجيرهم عن بيوتهم وأراضيهم وتجمعاتهم)، على الرغم من ازدياد عدد المواطنين العرب في الدولة بسبعة أضعاف، ناهيك عن أن القرى والمدن العربية بقيت على حالها، دون أي توسيع لمناطق نفوذها ولمسطحات البناء فيها ودون أي تطوير جدي للبنى التحتية والمرافق المختلفة فيها.

"هجرة مضادة" ـ خطر استراتجي وجودي!

في الآونة الأخيرة، يزداد الحديث في الكيان عن أزمة متفاقمة، متعددة المناحي والمستويات، تعصف بـ "البلدات اليهودية في الأطراف"، وخاصة في الجليل والنقب، تدفع أعداداً متزايدة من اليهود ـ الذين كانوا قد توافدوا إلى السكن في تلك البلدات، سواء بدوافع "قومية صهيونية" أو لأنهم وقعوا في أفخاخ الإغراءات المادية والاجتماعية المختلفة ـ إلى مغادرة هذه البلدات والهجرة منها، بحثاً عن "حياة أفضل" في مناطق وسط الكيان.

ويستقطب هذا الموضوع اهتماماً واسعاً برسم الضجة الواسعة التي يثيرها، أساساً، سكان تلك البلدات اليهودية وقياداتهم المحلية، ليفرض نفسه على أجندات الإعلام الصهيوني والمؤسسات الرسمية، الحكومية والصهيونية، كما على أجندات المؤسسات والمعاهد البحثية المختلفة التي تحذر من أن الأمر أصبح يشكل "خطراً ديمغرافياً" ملموساً يهدد الوجود اليهودي الاستراتيجي في الجليل والنقب!

وثمثلت آخر هذه المساهمات البحثية، في الورقة التي كتبها الباحث عميت أفراتي وصدرت ضمن العدد الأخير (رقم 3، تشرين الأول 2017) من فصلية "عدكان استراتيجي" (المستجد الاستراتيجي) التي يصدرها "معهد دراسات الأمن القومي" الصهيوني، التابع لجامعة تل أبيب، تحت عنوان "الخطر الديمغرافي: السكان الإسرائيليون "يهجرون" النقب والجليل".

يستهل الباحث ورقته بالتذكير بأنه "على مرّ السنوات الماضية، اعتمدت الحكومات الإسرائيلية سياسة استراتيجية تهدف إلى نشر وتوزيع السكان المحليين في أجزاء مختلفة من البلاد"، ثم بالتأكيد على أنه "بالرغم من هذه السياسة، فقد تعززت خلال العقدين الأخيرين بوجه خاص نزعة السكان الإسرائيليين (اليهود) إلى تفضيل السكن في "متروبولين غوش دان" (وسط إسرائيل)، وهي الوجهة التي تتجسد في "الهجرة" التدريجية من النقب والجليل"، وهو ما يعتبره الباحث أيضا "خطراً استراتيجياً يهدد دولة إسرائيل على الصعيد الاجتماعي ـ البيئي وعلى الصعيد القومي".

وتشكل منطقة "متروبولين غوش دان"، الممتدة من مدينة نتانيا في الشمال، مكابيم ـ رعوت في الشرق وحتى مدينة رحوفوت في الجنوب، نحو 7% فقط من مساحة دولة إسرائيل، ويسكن فيها اليوم نحو 6.40% من مجموع السكان في الدولة.  في المقابل، تشكل منطقة النقب، الممتدة من غور بئر السبع وحتى مدينة إيلات، نحو 60% من مساحة الكيان ويسكن فيها نحو 8% فقط من مجموع السكان، بينما تشكل منطقة الجليل، الممتدة من الحدود الفلسطينية ـ اللبنانية حتى مرج بن عامر (عيمق يزراعيل)، نحو 16% من مساحة الكيان ويسكن فيها نحو 15% فقط من مجموع سكان الدولة.

ويشير الكاتب إلى أنه حيال هذا التطوّر، تعتزم الحكومة الصهيونية وضع وتنفيذ مخطط جديد "لتشجيع الاستيطان في النقب والجليل"، بوساطة خطوات مختلفة، في مقدمتها المحفزات والامتيازات الاقتصادية.  غير أن الفجوات الهائلة بين شمال البلاد وجنوبها من جهة، وبين وسطها من جهة أخرى، في مجالات حياتية عديدة ومختلفة (في الخدمات، الصحية والتعليمية والتشغيلية وسواها) "تجعل هذه المحفزات والامتيازات، في نظر العائلات التي تفحص إمكانيات الانتقال إلى السكن في النقب والجليل، غير ذات أهمية ووزن"!

ولهذا يقترح الكاتب "تطبيق سيرورة تدريجية تشمل، بداية، توظيف ميزانيات كبيرة في البنى التحتية التي تؤثر على مستوى الحياة وجودتها في النقب والجليل، بغية لجم ظاهرة الهجرة السلبية من هاتين المنطقتين.  وبعد استكمال هذه المرحلة تماماً، فقط، ستتاح إمكانية محاولة تشجيع سكان آخرين من مناطق أخرى في البلاد على الانتقال والسكن في هاتين المنطقتين، سعياً إلى تحسين جودة حياتهم، وليس للاستفادة فقط من المحفزات والامتيازات المالية".

المصدر: مدار – 7 تشرين ثاني 2017

انشر عبر
المزيد