تحت المجهر

«حل الدولتين» كما يراه نتنياهو

20 تشرين الثاني 2017 - 12:59 - الإثنين 20 تشرين الثاني 2017, 12:59:36

بنيامين نتنياهو
بنيامين نتنياهو

معتصم حمادة

«حل الدولتين» عند نتنياهو نسخة منقحة للإدارة الذاتية الفلسطينية على السكان، ملحقة بإسرائيل بموجب إتفاق أمني واقتصادي «بين دولتين»

 بعد أن إحتفل، مع رئيسة وزراء بريطانيا، تيريزا ماي، بمئوية «وعد بلفور»، عرج رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، على مركز البحوث في لندن، تشاتهام هاوس ليدلي بدلوه في مسألة حل الصراع، مقدماً سلسلة جديدة من الأفكار، هي في الأساس أفكار قديمة، لكنه قدمها في قالب جديد، حملت في طياتها شروطاً مسبقة للحل، تضاف إلى الشروط التسعة التي حملها المبعوث الأميركي جيسون غرينبلات إلى رئيس السلطة بعد أن تمت صياغتها في ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي، في تل أبيب. ثم زاد غرينبلات من شروطه ثلاثة: هي سحب سلاح المقاومة في قطاع غزة، إعتراف حماس بإسرائيل وبالإتفاقات الموقعة معها، وأخيراً، وليس آخراً، نبذ الإرهاب، وإعتماد المفاوضات تحت السقف الأميركي خياراً وحيداً للحل مع إسرائيل.

في لندن، أعاد نتنياهو معزوفته في رفضه لقيام دولة فلسطينية مستقلة، كاملة السيادة، وعاصمتها القدس المحتلة بحدود 4 حزيران 67، وضمان حق العودة للاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها.

لكنه قدم رفضه، هذه المرة، بطريقة حاول فيها أن يبرز براعته في الكذب والتزوير، وإعادة صياغة الحقائق والمبادئ والقيم والأعراف لتتطابق مع المصالح والسياسات الإسرائيلية، العدوانية والأمنية، والعنصرية. لذلك إقترح أن يرسم للعالم تعريفاً جديداً لسيادة الدول. تعريف خاص للدول التي تشبه إسرائيل، بحيث تكون لها كامل السيادة على حدودها، وأرضها وأجوائها، ومياهها الإقليمية، ويكون لها «الحق» في شن العدوان على «الآخرين»، في إطار ما يسمى بالحرب الإستباقية، في ظل تقديرات أن «الآخرين» يحضرون لشن حرب ضد إسرائيل. ووفق هذا المبدأ، وهذه التعريفات، تصبح إسرائيل هي شرطي المنطقة والإقليم، يحق لها وفقاً لمبادئ نتنياهو، أن تعتدي، متى تشاء، وكيفما تشاء على من تشاء، تحت حجة الحرب الإستباقية. وهذا من شأنه أن يهدد أمن لبنان، وسوريا، وإيران، وقطاع غزة، والضفة الفلسطينية. وربما مناطق أخرى رسمت إحداثياتها على خرائط رئاسة الأركان الإسرائيلية.

أما الدول التي لاتشبه إسرائيل، كالدولة الفلسطينية (التي تحدث عنها نتنياهو)، أو الدول العربية الأخرى، كسوريا تحديداً، ودول أخرى، كإيران، فيفترض أن ترسم لها قواعد جديدة للسيادة، لأنها تشكل خطراً على إسرائيل تحديداً.

يقول نتنياهو إن مشروع الدولة العربية قد فشل إذ حيث ينسحب الإستعمار وتقوم الدول العربية، تسيطر القوى الدينية الأصولية الإرهابية. وأنه حين «انسحبت» إسرائيل من قطاع غزة، هيمنت على القطاع حركة حماس «الإرهابية»، وباقي القوى الفلسطينية المنخرطة مع حماس في «الإرهاب». لذلك لا تستحق هذه الدول، وهذه

الشعوب بالضرورة، أن تتمتع بالسيادة الكاملة، بل يجب أن تبقى خاضعة لهيمنة طرف ثالث يحصي عليها أنفاسها ويعطل عليها دورها «الإرهابي».

في هذا السياق، يرى نتنياهو أن الدولة الفلسطينية يجب أن تكون منزوعة السلاح [ إلا بما يوفر لها ضبط الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب المحلي]، وأن لا تكون لها السيادة لا على الحدود، ولا على المعابر الحدودية، ولا على الأجواء، ولا على المياه الإقليمية. وهذا يفترض، حسب تعريف نتنياهو، أن يتواجد جيش الإحتلال على طوال الحدود الفلسطينية مع الأردن، و أن يراقب المعابر الجوية والبرية والبحرية الخاصة بالدولة الفلسطينية حتى لا تكون منفذاً لتسلل «الإرهاب» الخارجي الدولي، وأن تسيطر إسرائيل على أجواء الدولة الفلسطينية بحيث يكون سلاح الجو الإسرائيلي هو السلاح الوحيد المسموح له بالتحليق في سماء الدولة الفلسطينية، و الأمر نفسه بشأن المياه الإقليمية الفلسطينية وبحرية الجيش الإسرائيلي.

ولا يخفي نتنياهو خلفية فلسفته هذه، مؤكداً أن أمن إسرائيل هو العامل الرئيسي والأول الذي يقرر طبيعة الحل مع الفلسطينيين، وطبيعة الكيان الفلسطيني الذي سيسفر عنه الحل، وحدود سيادة هذا الكيان.

ليس في كلام نتنياهو أي شيء جديد. وهو كلام قاله من قبله (مواربة) رئيس حكومة إسرائيل إيهود باراك، وإيهود أولمرت، وعرض مشروعاً مماثلاً له حزب العمل الإسرائيلي، ويلقى تأييد اليمين الإسرائيلي المتطرف.

وهو يعني بعبارة أخرى، بقاء جيش الإحتلال عند نهر الأردن، مع عمق أمني لهذ التواجد، بحيث يكون له خطوط حركة وإمداد نحو «العمق الإسرائيلي»، أي أن تكون الضفة الفلسطينية هي مسرح حركته وبالتالي سيكون إنسحابه شكلياً، في إطار خطة جديدة، لرسم «حدود التعاون الأمني» بين الدولة الفلسطينية، وبين سلطات الإحتلال، لكن هذه المرة سيأخذ طابع «التعاون بين دولتين» في إطار «إتفاق سلام».

ويتواجد الجيش الاسرائيلي (الصديق) مع الأمن الفلسطيني على المعابر الحدودية البرية والبحرية والجوية، [إما مباشرة أو على طريق معبر رفح برقابة الكترونية] إلى جانب طريق ثالث (الإتحاد الأوروبي) ويكون للجيش الاسرائيلي حق الفيتو في منع سفر أو دخول من يشاء من المسافرين، بغض النظر عن جنسيته، وفق مبدأ، أن السيادة على المعبر ليست للدولة الفلسطينية بل للجيش الاسرائيلي.

طبعاً لا يطال هذا الإجراء المسافرين فقط، بل سيطال بالضرورة الحركة التجارية أيضاً، لسببين: الأول « منع تهريب السلاح وأدوات التخريب» إلى أرض الدولة الفلسطينية خوفاً من أن يتسرب إلى أيدي إرهابية أو يتم تسربه إلى داخل إسرائيل. أما السبب الثاني فهو التأكد من فرض رسوم جمركية على البضائع الواردة إلى أسواق الدولة الفلسطينية، وبحيث يصبح سعرها قريباً من أسعار مثيلاتها في إسرائيل، حتى لا يتم تهريبها سراً إلى داخل إسرائيل، ما يلحق الضرر بالإقتصاد الإسرائيلي. وهذا ما يعيدنا إلى بروتوكول باريس. لكن هذه المرة سيكون بروتوكولاً «لتعاون تجاري وإقتصادي» بين دولتين، هما إسرائيل والدولة الفلسطينية.

بشيء من التدقيق البسيط، سنجد أنفسنا أمام نسخة أخرى من الحكم الإداري الذاتي، الملحق أمنياً وإقتصادياً (وبالتبعية سياسياً) بإسرائيل، لكن بدلاً من أن يحمل إسم «السلطة الوطنية الفلسطينية» سيحمل إسم «دولة فلسطين». طبعاً دون أن تكون القدس هي عاصمتها. [لعل هذا ما يشرح لنا لماذا تخطط السلطة الفلسطينية

لعشرات السنوات لمدينة رام الله لتكون المدينة الأولى في الدولة الفلسطينية] مع نسف لخطوط 4 حزيران التي لا يعترف بها نتنياهو. إذ يفسر القرار 242 أنه يتحدث (فقط) عن حدود آمنة لإسرائيل. ولأن مسألة الحدود والأمن هي مسألة ترسم معالمها وتعريفها حكومة إسرائيل، وليس سواها، فإن الحدود الآمنة بالنسبة لنتنياهو هي الحدود مع الأردن، حيث يجب أن ينتشر جيش الإحتلال. ما يعني سقوط حتى الموافقة المسبقة من المفاوض الفلسطيني على تبادل للأراضي متفق عليه.

لا شيء يتم الإتفاق عليه إلا ما يناسب أمن إسرائيل، وهي معنية بفرض شروطها ميدانياً كما تراها مناسبة.

بعد هذا، لا يستبعد أن يتم الحديث عن أن الطرفين توصلا إلى حل عملي يشكل تطبيقاً لحل الدولتين. وتستند إسرائيل في ذلك إلى المبدأ الذي وافقت عليه القيادة الفلسطينية الرسمية السلطوية وهو: إن أي حل يتفق عليه الطرفان يشكل التطبيق العملي لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية.

يبقى السؤال، وهو هل وصلت أنباء محاضرة نتنياهو إلى القيادة الرسمية السلطوية، وكما أطلعت على ما جاء عنها في صحيفة «هآرتس» في 5/11/2017. وهل مازالت تراهن على إستئناف المفاوضات، وهل مازالت تراهن على أن الرئيس ترامب وعد رئيس السلطة بأنه سيقدم مبادرة للحل تقوم على حل الدولتين.

ها هو نتنياهو قدم «المبادرة» ، التي سوف يعلن عنها لاحقاً ترامب [إذا ما صدقت رهانات القيادة الفلسطينية] وهذا هو «حل الدولتين» كما تقرأه إسرائيل، وكما تقرأه معها الإدارة الأميركية.

لم يعد نتنياهو يخفي أهدافه في رفض الدولة الفلسطينية المستقلة، ورفض عودة اللاجئين، ورفض الإنسحاب من القدس

بعد أن رسم نتنياهو سقف الدولة الفلسطينية التي سيسمح بها، في الضفة الفلسطينية، تناول في حديثه في مركز البحوث في لندن (تشاتهام هاوس) مسألة المستوطنين. وأكد أن هؤلاء سوف يبقون في الضفة الفلسطينية ولن يغادروها. فإسرائيل، كما تؤكد المصادر الرسمية فيها، لم تبنِ المستوطنات، في طول الضفة وعرضها، وتسور بها القدس وتفصل بينها وبين الضفة، لتخليها في نهاية الأمر، ليستولي عليها الفلسطينيون.

وإدعى نتنياهو أن الطلب الفلسطيني برحيل المستوطنين من الضفة، يدخل في باب "التطهير العرقي"، لأنه يقوم، كما يزعم، على التمييز بين السكان، لصالح «العنصر الفلسطيني» وعلى حساب «العنصر اليهودي».

في هذا السياق علينا أن نلاحظ أن نتنياهو يقوم بسرقة مفردات الخطاب الفلسطيني، الذي يستند إلى الوقائع، في وصف الممارسات الإسرائيلية بأنها تقوم على «التطهير العرقي». كما علينا أن نلاحظ أن نتنياهو يسطو أيضاً على ما جاء في كتاب المؤرخ الإسرائيلي اليساري والمعادي للصهيونية إيلان بابيه «التطهير العرقي»، في وصفه لعمليات التهجير الذي لجأت إليه العصابات الصهيونية المسلحة ضد الشعب الفلسطيني في أحداث العام 1948. يسطو نتنياهو على مفردات خطابنا، ويستعملها لتشويه الصورة، وليغطي على واقع الاستيطان، الذي يقوم أساساً على سرقة الأرض الفلسطينية، ومصادرتها بقوة السلاح في أعمال عدوانية يومية ضد الشعب الفلسطيني، ويأتي بالمستوطنين المستعمرين، ليقيموا على أنقاض المنازل الفلسطينية المدمرة، أو في الأراضي المصادرة، مستوطناتهم، يقطعون أرزاق الفلاحين الفلسطينيين ويطردونهم من أرضهم، ويدعون ملكيتهم للأرض.

هذا العمل، في مجموعه، يدخل في باب جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، ويستحق عليه منفذوه أن يحالوا إلى محكمة الجنايات الدولية، ليستعيد المزارع والفلاح الفلسطيني أرضه المصادرة.

نتنياهو في إدعائه إنما يمارس التزوير المكشوف، المخالف للوقائع الميدانية، والمخالف للقوانين الدولية، ويحول المستوطن من موقع الجاني ومرتكب الجريمة إلى موقع الضحية الذي سيتعرض، إن إستردت الأرض المسلوبة منه، لما أسماه نتنياهو بالتطهير العرقي.

ووفقاً لكل التقديرات، تندرج إدعاءات نتنياهو في سياق البحث عن ذرائع «قانونية» و«إنسانية» مزعومة، لتسويغ سياسة الإستيطان وتبريرها، وسياسة الضم التي يمهد لاتباعها في التسوية التي يعتقد أنها قادمة تحت قوة الضغط الأميركي. فلقد سبق هذه الإدعاءات سن قانون يقضي بتطبيق القوانين الإسرائيلية السارية في إسرائيل على المستوطنين، بعد أن كانوا خاضعين لقوانين الإدارة المدنية التابعة لسلطة الإحتلال. هذا القانون الجديد،

يعتبر ضماً قانونياً للمستوطنات واعتبارها جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل، وإن لم يتم حتى الآن الإعلان الرسمي والواضح عن هذا الضم.

كما تندرج إدعاءاته في سياق توفير صيغة قانونية «إنسانية» للإستيطان، وتحريره من كونه جريمة حرب. فما دام رحيل المستوطنين إلى «الداخل الإسرائيلي» يعتبر تطهيراً عرقياً، فإن معارضة ومقاومة توسيع الإستيطان، يدخل في السياق نفسه.

والغريب في الأمر أن نتنياهو يقارن بين المستوطنين اليهود في الضفة والقدس، وبين الفلسطينيين العرب، داخل إسرائيل. ويحاول أن يساوي بين المجموعتين، ليخلص إلى أنه مادام ترحيل الفلسطينيين من إسرائيل يعتبر تطهيراً عرقياً، فإن رحيل المستوطنين هو أيضاً تطهير عرقي.

في هذا السياق علينا أن نتوقف أمام الحالة العامة التي إنساقت فيها محاضرة نتنياهو في لندن.

يلاحظ أن هذه المحاضرة ما هي إلا جزء من حملة إسرائيلية واسعة النطاق تهدف إلى كسب الرأي العام الأوروبي لصالح سياسة حكومة أقصى اليمين.

فإلى جانب إطلاق إشارة البدء للدفاع عن الإستيطان، وعن المستوطنين، في حملة إعلامية واسعة النطاق، كان قد أطلق حملة واسعة، سخر لها ملايين الدولارات لعرقلة نشاط مجموعات مقاطعة الإقتصاد الإسرائيلي«B.D.S» وعرقلته؛ وإعتبار هذا النشاط يدخل في باب «معاداة السامية» الذي نجحت إسرائيل في تحريض دول أوروبا لسن قانون يجرم كل من ينتقد إسرائيل بأنه معادي للسامية.

وهكذا نصبح أمام معادلة واضحة المعالم: حملة B.D.S، معادية للسامية، وأية حملة مماثلة ضد الإستيطان وضد المستوطنين هي الأخرى معاداة للسامية. وعلينا أن نلاحظ أن القضيتين تتعلقان بالإستيطان. فحملة B.D.S هدفها مقاطعة منتجات المستوطنات، ومقاطعة الشركات الناشطة في المستوطنات أو التي تسهم في خدمة مشاريع الإستيطان. وتهمة «التطهير العرقي» هي لحماية مبدأ الإستيطان، وتكريس بقاء المستوطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 67، والتمهيد لضم المستوطنات لإسرائيل.

بالمقابل علينا أن نلاحظ، على الجانب الفلسطيني أن السلطة الفلسطينية إلتزمت التعليمات والتحذيرات الأميركية، بذريعة عدم التشويش على الأعمال التحضيرية لإستئناف المفاوضات.

فجمدت حركتها نحو محكمة الجنايات الدولية، في إحالة جرائم الحرب الإسرائيلية وفي مقدمها الإستيطان، والأسرى، وحصار قطاع غزة والإعتداءات اليومية عليه. كذلك جمدت تنسيب الدولة الفلسطينية (العضو المراقب لدولة فلسطين في الأمم المتحدة) إلى المنظمات الدولية، بما في ذلك تجميد طلب العضوية العاملة والكاملة في الأمم المتحدة وطلب عقد مؤتمر دولي للمسألة الفلسطينية تحت قرارات الشرعية الدولية ورعاية مجلس الأمن ودول أخرى، وضمان الإستقلال وحق العودة للاجئين، وتوفير الحماية الدولية للشعب والأرض ضد الإحتلال والإستيطان. كل ذلك بدعوى عدم التشويش على التحضير الأميركي، وبذريعة وقف التحريض ضد إسرائيل.

جمود في الحركة الدبلوماسية والسياسية الفلسطينية الرسمية في المحافل الدولية، يقابله نشاط محموم لحكومة إسرائيل، ترصد له ملايين الدولارات، وبالتعاون مع شركات قانونية توظف لهذا الغرض العديد من رجال القانون والمحامين المهرة

وإذا أضفنا إلى هذا محاولات نتنياهو إجهاض قضية اللاجئين، وحق العودة من مدخل إعادة صياغة وكالة الغوث: إما حلها، أو إحالة وظائفها إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في العالم، أو من خلال إعادة تعريف اللاجئ، ليقتصر الأمر على الذين ولدوا في فلسطين قبل العالم 1948، دون أزواجهم أو ذريتهم. وهو يعتقد أنه بذلك يلغي واحدة من القضايا التي تؤرق إسرائيل كما تؤرق الولايات المتحدة وأوروبا، والمنطقة كلها، ويزيل من أمام مشروعه للحل القضية الأكثر إستعصاء في المسألة الفلسطينية. وإذا أضفنا إلى هذا أيضاً مشروعه (والمشروع الصهيوني المجمع عليه) للقدس، بإعتبارها «مدينة واحدة» و«عاصمة أبدية» لإسرائيل، ورفضه الإنسحاب من الجانب الشرقي المحتل عام 67، ورفض إدراجها على جدول الأعمال في أية مفاوضات، إلا بما يتعلق بالحقوق الدينية للطوائف (مسلمين ومسيحيين) لأدركنا حقيقة المشروع الذي يتم التحضير له باسم مفاوضات السلام، وأدركنا السقف السياسي الذي يرسمه، بالتفاهم والإتفاق مع الجانب الأميركي لأي حل قادم.

رئيس السلطة في مقالته في «الغارديان» البريطانية في مئوية بلفور، يعترف أن نتنياهو ليس «شريكاً للسلام» [وكأن القضية هي قضية حرب بين دولتين وليست أعمالاً عدوانية تمارسها يومياً سلطات الإحتلال ضد الشعب الفلسطيني وضد أرضه]. ويعترف أن الإحتلال ماضِ في مشروعه لخلق وقائع على الأرض. ويؤكد في السياق تمسكه بالمفاوضات خياراً وحيداً، كما يؤكد في الوقت نفسه تمسكه «بالحراك الشعبي السلمي» على غرار ما جرى في القدس مؤخراً ــ لكنه لا يوضح للشعب الفلسطيني، (بإعتباره رئيس دولة فلسطين، ورئيس السلطة الفلسطينية، ورئيس حركة فتح) كيف سيزحزح هذا التعنت الإسرائيلي، خاصة في ظل الإنحياز الأميركي الفاقع للجانب الإسرائيلي.

ففي الوقت الذي يقدم فيه نتنياهو سياسات واضحة تقوم على القوة والتسلط والبطش، لا تقدم القيادة الرسمية السلطوية أية إجابات واضحة للتصدي للسياسات الإسرائيلية سوى كلام عام عن الرهان على الدور الأميركي (الذي جربناه ربع قرن دون جدوى) وعن الإلتزام بالإتفاقات الموقعة مع إسرائيل [والتي مضى عليها ربع قرن دون جدوى فيما كان يفترض أن تصل إلى خواتيمها في أيار (مايو) 1999]. والتمسك بالمفاوضات (التي أصبحت مضيعة للوقت وغطاء لتوسيع المشاريع الإستيطانية)

نعتقد أن محاضرة نتنياهو في لندن لا ينقصها الوضوح. ونعتقد أن المسؤولية الفلسطينية تتطلب مراجعة الموقف، وإعادة النظر بالسياسات القائمة، لصالح البدائل الوطنية التي أجمعت عليها كل القوى (بما فيها فتح والرئيس عباس) في حوار القاهرة (2005)، ووثيقة الوفاق الوطني (2006)، وقرارات المجلس المركزي (2015). وسوى ذلك سوف تبقى الحالة الفلسطينية تدور حول نفسها، وتتآكل شيئاً فشيئاً وهذا أسوأ ما يمكن أن يتمناه المرء لقضية شعب دخل في عامه المئة، وهو يناضل من أجل إستقلاله وإستعادة أرضه وحريته.

انشر عبر
المزيد