"مواد الأونروا الإثرائية" بين قيم الأمم المتحدة وقيم الشعوب الحرة

15 تشرين الثاني 2017 - 10:34 - الأربعاء 15 تشرين الثاني 2017, 10:34:35

مدرسة للأونروا
مدرسة للأونروا

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

أثار إدخال "مواد إثرائية" إلى مدراس الأونروا في قطاع غزة موجة من الغضب لدى المعلمين وأولياء أمور الطلبة، معتبرين أن هذه المواد "الإثرائية" مناقضة لتعاليم المنهاج الفلسطيني الرسمي في السلطة الفلسطينية. "المواد الإثرائية" التي أدخلتها الأونروا وبدأت على تدريب المعلمين عليها هي "مواد وأنشطة تتم إضافتها للمنهاج الأساسي، تتيح للمعلمين والطلبة التعمق في موضوع المادة". تنوي الوكالة توسيع التدريب على هذه المواد إلى الضفة الغربية وسوريا ولبنان والأردن، في وقت لاحق. ركزّ انتقاد هذه المواد الدخيلة على المنهاج على أن محتواها لا يتناسب مع الهوية الوطنية الفلسطينية، لأنها تحتوي على مصطلحات وصور ورسومات "تنافي الحقيقة" و"تضلل التاريخ" وتتعارض مع "فكر وثقافة اللاجئين في حقهم في العودة إلى أرضهم ووطنهم".

تنتقص هذه "المواد الإثرائية" من أهمية إضراب الأسرى عن الطعام في السجون الصهيونية، لتصبح المسألة "سوء تغذية" (منهاج "العلوم والحياة" الرابع الأساسي)، يطلب من الطالب التفكير في تأثيره على "جسم الانسان"، لأن الحديث عن الإضراب عن الطعام ومعاناة الأسرى في سجون الاحتلال لا يناسب كما يبدو "قيم الأمم المتحدة". كما لا يناسبها القول إن أطفال قطاع غزة يصابون بالخوف من جراء القصف "الإسرائيلي"، فتمّ استبدال السبب الحقيقي بالخوف من "دمية ملقاة على الأرض"، أو أن تلوث الهواء في قطاع غزة الناتج عن العدوان الصهيوني، أصبح ناتجاً عن احتراق الأشجار في الغابات(!!). وفي مسألة القدس، لم تعد المدينة "عاصمة فلسطين" في المواد الإثرائية، وهي الجملة التي وردت في أسفل صورة المسجد الأقصى المبارك في كتاب التربية الوطنية، والتي استبدلت بـ"لون جدار المسجد الأقصى". هذه هي بعض نماذج التعتيم والتضليل التي انتقدها المعلمون الذين رفضوا استكمال التدريب، رغم تهديد الوكالة بالفصل والعقاب.

تتبع وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في مدارسها المناهج المقررة في الدول العربية المضيفة للاجئين عام 1948، ومنهاج السلطة الفلسطينية في مخيمات اللاجئين، بعد إقامة السلطة وبلورة مناهج خاصة بها. شنّ الكيان الصهيوني حملة

تحريض على الكتب التعليمية المقررة، وطالب بتغييرها، فتدخلّت العواصم الغربية لتبديل محتواها، بما يناسب رؤيتها للصراع والتسوية. رغم ذلك، استمرت الحرب على المنهاج الفلسطيني المتهم بـ"التحريض" و"بث الكراهية". يبدو أن الأونروا والأمم المتحدة قد تجاوبت مع حملة التحريض هذه؛ إذ تحاول منذ سنوات، إدخال تعديلات عليه، بحجة مواكبة العصر والتقدم العلمي وتبني "قيم عالمية"، والالتفاف على كتبه، وكان آخرها "المواد الإثرائية" التي يراد منها نسف بعض من محتوى المناهج الرسمية، التي ما زالت تؤكد على استمرارية الصراع ضد "الاحتلال الإسرائيلي"، وعلى الهوية النضالية للشعب الفلسطيني.

وللمفاجأة، فإن منهاج السلطة الفلسطينية لا يتميّز بالثورية أو بالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني كافة، كما لاحظ العديد من المفتشين الأجانب، ومنهم أميركيون، بعد التهويل والصراخ الصادرين عن المؤسسة الصهيونية. هذا ما أكد عليه الناطق الرسمي للأونروا كريستوفر غانيس (6/10/2017) في تصريح له قائلاً إن وزارة الخارجية الأمريكية وجدت أن الكتب الفلسطينية "خالية من التحريض على الإرهاب".

غير أن التطمينات الأميركية يبدو أنها لا تكفي بنظر الناطق الرسمي للوكالة الذي تابع بالقول: "قد قمنا بمراجعتها (الكتب المدرسية) مراجعة صارمة وفقاً لإطار عمل المناهج الخاص بنا، والذي يهدف إلى ضمان أن مناهجنا متوافقة مع قيم الأمم المتحدة"، فوجدت الوكالة أن في "عدد قليل من الحالات"، ثمة "قضايا مثيرة للقلق" لا تتوافق مع "قيم الأمم المتحدة"، وهي تدين "كافة أشكال العنصرية". تبعاً لما تم تبديله في المنهج الفلسطيني من قبل الأونروا، يفهم أن الحديث عن الأسرى ومعاناتهم وإضرابهم عن الطعام لنيل حقوقهم المشروعة، والتي ضمنتها وثائق الأمم المتحدة، قد يُعد نوعاً من "العنصرية" و"التحريض"، لأن المعتدي الغاصب لحقوق الأسرى والشعب الفلسطيني معترف به من قبل الأمم المتحدة، رغم أيديولوجيته العنصرية المعادية للعرب والمسلمين وممارساته الإرهابية والمجازر التي نفذها منذ بداية استيطانه في فلسطين. فاعتراف الهيئة الأممية في ذلك الوقت بكيان استيطاني يحلم بطرد كل أبناء الشعب الفلسطيني من أرضه وبالتوسع لاستيعاب أراض عربية أخرى لا يمنح أي شرعية لهذا الكيان، لأنه مناف للقيم الإنسانية. يبدو هنا أن "قيم الأمم المتحدة" تختلف عن هذه القيم الإنسانية التي تدعو إلى رفع الظلم ونصرة المظلومين ومساعدتهم على استعادة حقوقهم.

من جهة أخرى، تدعو الأمم المتحدة، في مؤتمراتها وعبر منظماتها (اليونسكو واليونسف مثلاً)، إلى تمكين الطفولة في مجتمعاتها، من خلال معايشتها لواقعها الفعلي والتعرّف إليه في المدرسة. هل استبدال العدوان الصهيوني على غزة المسبب للتلوث، بـ"إحراق الغابات"، يتوافق مع واقع الطفولة الفلسطينية في قطاع غزة، حيث أشارت تقارير

صادرة عن وكالات الأمم المتحدة وغيرها، إلى أن البيئة في قطاع غزة ملوثة، بسبب العدوان والقصف واعتداء المستوطنات الملاصقة للقطاع والحصار الذي يفرضه الاحتلال؟ أين هي "قيم الأمم المتحدة" في تزوير الحقائق التي يعيشها كل طفل فلسطيني تحت الاحتلال، فهو المطارد في الضفة الغربية والقدس، والمعتقل والمعذّب في السجون الصهيونية، وضحية الدهس على الطرق الاستيطانية، والممنوع من التعليم ومن دفء البيت في القدس والأغوار والنقب والمثلث، وضحية الاعتداءات المتكررة على قطاع غزة. هل يعتقد القائمون على مناهج الأونروا أن تزوير الواقع في مدارسها واعتبار أن "الدمية الملقاة على الأرض" هي التي تخيف الطفل الفلسطيني، بدلاً من سيارات المستوطنين والصواريخ التي تسقط عليه والشرطة التي تهدم بيته؟ تعرف الأونروا تماماً ما الذي يخيف الطفل الفلسطيني، ولكن "الدمية" لا تثير لديه عزيمة المقاومة وإرادة الرد على العدوان، على عكس المسببات الفعلية لخوفه. هذا بالتحديد ما "يقلق" الأونروا، التي تحاول في "موادها الإثرائية" منع الطفولة الفلسطينية من حقها في حياة كريمة عبر المقاومة، التي اعترفت به الأمم المتحدة في سبعينيات القرن الماضي. فالقيم التي تريد الأونروا اليوم ترويجها في مدارسها هي القيم التي يفرضها التمويل الغربي والسيطرة الأمريكية والتهديد الصهيوني. الشعوب الحرة لا تعترف بهذه القيم المستحدثة وفقاً لموازين قوى ظالمة، بل تعرف تماماً حقها بالمقاومة حتى التحرير والعودة.

انشر عبر
المزيد