وعد بلفور: ابن السِّفاح البريطاني الفرنسي

07 تشرين الثاني 2017 - 02:02 - الثلاثاء 07 تشرين الثاني 2017, 14:02:39

وكالة القدس للأنباء - متابعة

مقال بقلم: أحمد الدَبَشْ*

"جاء الوعد كالماء الذي يبحث عن منبعه"

(جفريز، فلسطين وإليكم الحقيقة)

في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني 1917، أرسل وزير الخارجية البريطاني اللورد آرثر جيمس بلفور (Arthur J. Balfour)، إلى اللورد اليهودي ليونيل والتر روتشيلد (Lionel Walter Rothschild) رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، رسالة ستكتسب شهرة فيما بعد باسم "وعد بلفور"، ذكر فيها: "إن حكومة صاحب الجلالة ترى بعين العطف تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهَم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص مع الطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو الحقوق والسياسي التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر".

هناك الكثير مما ينبغي علينا مناقشته بصدد هذا "الوعد"، الذي لا يحتوى على أكثر من سبع وستين كلمة، ظلت مسوداتها تداول في داخل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ليتولاها بالتحقيق والتمحيص مسؤولى الدولتين، إلى أن أختيرت هذه التشكلية من الألفاظ، وخطا الغرب الصهيوني خطوات واسعة، فوق جثث المبادئ والضحايا البشرية العديدة، من أجل تحقيق ذلك "الوعد".

بينما كان مجلس الوزراء البريطاني مجتمعاً لاقرار صيغة "الوعد"، كان بعض قادة الصهاينة ينتظرون في غرفة مجاورة لغرفة اجتماع الوزارة لأن هذا الحادث، كما  ينقله جفريز، في كتابه "فلسطين إليكم الحقيقة"، عن المستر لاندمان، قد جرى الاعلان عنه [الوعد] بلسان مارك سايكس ... لقد خرج مرتبكاً من الاجتماع ورد بنبرات تتفق تماماً وهذه المناسبة قائلاً: "إنه صبي". ويعلق وايزمان في مذكراته: »حسناً، أنا لم يعجبني الصبي في البداية، فهو لم يكن ما كنت اتوقعه. لكنني أدركت أن هذه الولادة حدث كبير".

اختصر جفريز، قصة الصبي، بالقول: رسمياً فقد أرسل بابن السِّفاح هذا، الذي نتج من جريمة تتعدد الأزواج، على شكل كتاب من سكرتير الخارجية إلى اللورد روتشيلد.

يذهب ألان غريش، في كتابه (علامَ يُطلَق اسمُ فلسطين؟)، إلى أن فتح أرشيف الوثائق الدبلوماسية تقويض عدّة خرافات، إذ أظهر أن الحركة الصهيونية لم تضطلع إلا بدور ثانوي في هذا القرار. فلندن، ولندن وحدها، هي من قرّرت تبني مشروع "وطن قومي" لليهود لأسباب استراتيجية، فضلاً عن اعتزامها عكس مسار تدفّق المهاجرين اليهود. 

فالدافع الأول لـ "وعد بلفور" هو رغبة الإمبراطورية البريطانية في زرع دولة استيطانية في وسط العالم العربي في بقعة مهمة جغرافياً لحماية مصالحها الاستعمارية. كانت فلسطين من الهواجس الملحّة على بريطانيا، وخاصة عندما قررت إضعاف حكم محمد علي باشا، بعد أن تبين لها أن "إن هدف محمد على الحقيقي هو إقامة مملكة عربية" [يُراجع مقالنا: مشاريع عودة اليهود إلى فلسطين (2)]، وبذلك أصبحت أهمية فلسطين في الخطة البريطانية تنبع من قربها من مصر، وقد دعا اللورد كتشنر، حكومته" لتأمين فلسطين كحصن لبريطانيا في مصر وكحلقة وصل برية مع الشرق". فقد كانت هذه المنطقة تحتل مكانة استراتيجية لحماية قناة السويس، ذلك الخط الحيوي للاتصال بالهند. فإيجاد مجموعة سكانية غريبة "اليهود" تستطيع الاعتماد على ولائها في هذه البقعة الإستراتيجية على طريق الهند.  وتحمى مصالحها في المنطقة. أي تأسيس دولة وظيفية تُوظف في إطارها المادة البشرية اليهودية في خدمة الاستعمار الغربي.

ولم تعد الصهيونية أخيراً متوافقة مع الاستعمار البريطاني فحسب، بل أصبحت فرعاً منه. وأصبح أشد انصار الصهيونية هم أولئك الذين يشغلون مناصب هامة في الدوائر الحكومية في بريطانيا. وولت الأيام التي كانت "إعادة اليهود إلى فلسطين" مغلفة بأفكار دينية (يُراجع مقالاتنا: الصهيونية المسيحية "البروتستانتية"، الوطن القومي اليهودي في الثقافة الأوروبية، مشاريع عودة اليهود إلى فلسطين، مشاريع عودة اليهود إلى فلسطين 2).

وقد عبر عن هذا الاتجاه هربرت سايدبوتام، المحرر العسكري للمانشستر غارديان بمقالات عديدة استهلها في افتتاحية هامة ظهرت في الغارديان، في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1915، تعرض فيها للوضع الاستراتيجي البريطاني في الشرق الأوسط. وادعى فيها بأن فلسطين مهمة جداً للدفاع عن مصر وقناة السويس، أما الحل الذي قدمه سايدبوتام فيقضي بإقامة دولة يهودية حليفة لبريطانيا تكون بمثابة خط الدفاع الأول عن قناة السويس ومصر. 

في أثناء الحرب العالمية الأولى، أدت خطط تفكيك الامبراطورية العثمانية، حليفة ألمانيا في الحرب، ومطامع فرنسا في الأماكن المقدسة، إلى إحياء ذلك الاهتمام. صحيح أن لندن كانت قد تفاوضت سراً مع باريس على تقسيم الشرق الأوسط (في اتفاقات سايكس ــ بيكو عام 1916)، إلا أن هذا الترتيب لم يكن مرضياً أيضاً لبريطانيا، لأنه كان يتضمّن تدويل فلسطين. وكان اقتسام الأرض المقدسة مع فرنسا يعني ضياع سيطرة بريطانيا على منطقة حاسمة استراتيجياً.

وذلك أن هجوم الأتراك على قناة السويس برهن في مطلع الحرب بشكل قاطع أن خط الدفاع الأول عن ذلك الممر الحيوي هو فلسطين لا سيناء وبالتالي فقد رأى لفيف من السياسيين والعسكريين البريطانيين ان الاكتفاء بتحييد فلسطين ووضعها تحت إدارة دولية ربما عرض أمن قناة السويس للخطر خصوصاً وأن دولة قوية طامعة هي فرنسا تصبح عندئذ بمثابة جارة لمصر.

وكان لويد جورج مقتنعاً بحاجة بريطانيا إلى فلسطين للدفاع عن مشارف قناة السويس، ومن هنا برزت أهمية تأسيس "وطن قومي يهودي" تحت الرعاية البريطانية، وهذا يعني احتلال فلسطين، كوسيلة للانسحاب من اتفاقية "سايكس ــ بيكو".  

وقد كتب مارك سايكس ذات مرة للورد روبرت سيسل: "علينا، دون أن نظهر أية رغبة في ضم فلسطين أو جعلها محمية [بريطانية]، أن نرتب سياستنا بحيث نصبح أكثر المرشحين لهذه المهمة حين يحين الوقت لاختيار سلطة تنتدب لإدارتها بإجماع الرأي ورغبة سكانها".

ووفقاً لما أكده تقرير أعدته الدائرة التاريخية في وزارة الخارجية البريطانية، فإن الوجود الصهيوني في فلسطين سوف يخدم كسلاح فعال ضد ظهور أي مطالب فرنسية متطرفة في المستقبل. 

من هنا يتضح أن الدافع الرئيسي الأول لاصدار "وعد بلفور" بأن تكون فلسطين وطناً قومياً لليهود في المستقبل. هو استبعاد فرنسا نهائياً عن فلسطين، وحتى يتم ذلك، لا بد من القبول بأن تكون فلسطين تحت السيطرة البريطانية بدلاً من التدويل ، لتؤمن دعائم هذا الوطن. وقد وعد الصهاينة بريطانيا بأن يعارضوا في المحافل الدولية تدويل فلسطين كما اتفق عليه "سايكس ــ بيكو"، وأن يساندوا بريطانيا للوصول إلى فلسطين، على أن تحصل فرنسا، في المقابل، على حقوق أوسع في سوريا ولبنان.

عندما بدأت الحملة البريطانية على فلسطين في تشرين الأول/ نوفمبر 1917.حسم الموقف لمصلحة بريطانيا نهائياً. وكان إصدار "وعد بلفور" بمثابة إنهاء عملياً لاتفاقية "سايكس ــ بيكو" من جانب واحد.   

وفي المقال القادم مزيد من التفاصيل عن الدافع الثاني لإصدار "تصريح بلفور"، دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب إلى جانب الحلفاء.

*كاتِب وباحِث فلسطيني في التاريخِ القديمِ

انشر عبر
المزيد