وعد بلفور صهيوأوروبي وصهيوأمريكي.. والمقاومة ضرورة وواجب

01 تشرين الثاني 2017 - 11:52 - الأربعاء 01 تشرين الثاني 2017, 23:52:34

خلفيّة وتحدّيات:

إنّ وقفة جادّة ضدّ وعد بلفور (2/11/1917) في الذكرى المئويّة لهذا الوعد المشؤوم، حيث أعطى البريطاني وعداً لشعب انتمى إلى منظّمة عنصريّة هي الصهيونيّة (تصنيف الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في 10/11/1975، بالقرار رقم 3379)، الذي جاء في نصّه: (إنّ الصهيونيّة شكل من أشكال العرقيّة والتمييز العنصري) بأن يعطيه وطناً هو للفلسطينيين العرب، أهل الأرض والبلد، وكان هذا الوعد جريمة تاريخيّة غير مسبوقة، تحتاج إلى مراجعة الخلفيّة الدينيّة والاستعماريّة التي هيّأت لمثل هذا الوعد/الجريمة.

إنّ سياق هذا المقال يحتاج لبيان حول العناوين الآتية:

1- من الصهيونيّة غير اليهوديّة إلى الصهيونيّة اليهوديّة:

هذا المصطلح هو البديل الصحيح لما أشاعه بعض الكتّاب عن قصد، أو بالتقليد والاتّباع من غير تمحيص، عندما استخدموا مصطلح: الصهيونيّة المسيحيّة. فالنصوص التي صاغها يهود في (التلمود) وسواه تبيّن مقدار العداء الذي يختزنونه ضدّ المسيح عليه الصلاة والسلام، وضدّ المسيحيين ومقدّساتهم، والتي هي عدائيّة تريد إلغاء المسيحيّة والمسيحيين، لذلك يكون من غير الصحيح أن يتمّ هذا التعسّف في ربط الصهيونيّة بالمسيحيّة. ثمّ إنّ الكلّ يعرف أنّ أساس المسيحيّة المحبّة والرحمة، والصهيونيّة عنصريّة وإجرام واستباحة للحرمات والدماء.

عندما ظهرت البروتستانتيّة في أوروبا في بدايات القرن السادس عشر للميلاد كان الأساس فيها الأخذ بحرفيّة نصوص (العهد القديم) من غير تأويل ولا انتقائيّة، والمعلوم أنّ كتّاب (العهد القديم) من يهود قد صبّوا فيه كلّ دفائن نفوسهم من الدسّ والعنصريّة والعنف وصولاً إلى مزاعم الوعد لإبراهيم عليه السلام التي تنصّ على أنّ أرض كنعان ستُعطى لنسله من الفرات إلى النيل.

وقد نشأ في هذا المناخ متشدّدون شكّلوا الأساس لتيّار الصهيونيّة غير اليهوديّة، أو المحافظين الجدد اليوم في الولايات المتحدّة الأمريكيّة، وكان ذلك سابقاً بقرون لوجود المنظّمة الصهيونيّة اليهوديّة التي انبثقت في مؤتمر بال (سويسرا) الذي دعا له هرتزل في آب/أغسطس من العام 1897م.

إنّ سياق المقال لا يتّسع لعرض موسّع، وسيكون عرض لبعض الظواهر منها:

أ- جامعة هارفارد التي تأسست في الولايات المتّحدة الأمريكيّة عام 1636، في فضاء تأثير البيوريتان (Puritains) (التطهريون) الانكليز، وهم غلاة أوّل من أُطلِقت عليهم تسمية: أصوليين، وبعد ستّ سنوات نوقشت في هارفارد أوّل رسالة جامعيّة (1642م) عنوانها: (العبريّة هي اللسان الأمّ).

ب- أثناء غزو نابليون بونابرت الفرنسي للوطن العربي بدءاً من مصر، وعندما تحرّك لمحاصرة عكّا بدأت مؤشّرات الهزيمة تظهر له، خاصّة للمرض الذي فتك بجنوده، فما كان منه إلاّ أن ناشد يهود، وكان ذلك في العام 1799، طالباً أن ينتصروا له مقابل أن يسلّم لهم القدس وبعض أجزاء فلسطين، وإذا سأل سائل: كيف ذلك وفرنسا يحكمها الكاثوليك؟ الجواب يعرفه من اطّلعوا على مسار الثورة الفرنسيّة في 14/7/1789، حيث كان للماسونيّة من خلال (محفل الشرق الأعظم) التأثير الكبير بدءاً من شعارات الثورة: (حرّيّة، إخاء، مساواة)، وهي عينها شعارات الماسونيّة.

ج- تحوّل بريطانية من الكاثوليكيّة إلى البروتستانتيّة يوم تحوّل ملكها هنري الثامن من باب ردّة الفعل على البابا في الڤاتيكان عام 1538م، وقد تبنّى نقل العهد القديم إلى الإنكليزيّة وطباعته بأعداد كبيرة، وأكمل بعده هذا المسار الملك جيمس الأوّل (1603م-1625م)، ومن الأسماء التي تبنّت الصهيونيّة المستشار في القصر الملكي هنري فنش Finch  الذي كتب بحثاً عنوانه: (الاستعادة العظمى العالميّة) يدعو فيه إلى تجميع يهود في فلسطين تمهيداً لظهور المخلّص. ثمّ كان كتاب: (رحلتان إلى القدس) لمؤلّفه ناتانيال كروش في العام 1704م، وكتاب إميل Emile لجان جاك روسو الذي صدر عام 1762م. وممّا ظهر في هذا الباب مقال في جريدة (التايمز) البريطانيّة بتاريخ 17/8/1840م فيه مشروع للاستيطان الصهيوني الإحلالي اليهودي في فلسطين، وكاتبه هو اللورد شافتسبري المشهور باسم: آشلي، واللورد آشلي هذا من أشدّ المتحمّسين الإنكليز للصهيونيّة.

د- وكان لتيّار الصهيونيّة غير اليهوديّة حضوره القوي منذ وصل المهاجرون البيورتان المتعصّبون الإنكليز إلى أرض أمريكا الشماليّة، وكان لهم تأثيراتهم منها جامعة هارفارد التي سبق ذكرها، ومن المؤثّرات نشأة (المورمون) على يديّ البروتستانتي الأصل جوزف سميث في ولاية يوتاه عام (1823)، الذي زعم أنّهم بعد تيه استقرّوا في يوتاه، وواجبهم أن يعملوا لتجميع يهود في فلسطين، وكان من قبله إجراء عام 1840 حيث أوفد أحد مساعديه المدعو أورسون هايد إلى القدس ليقوم بدور ما على طريق اغتصاب فلسطين من قبل الصهاينة من يهود.

وممّن قاموا بدور خادم للصهاينة من الأمريكان القسّ وليام بلاكستون (1841-1935)، وهو ممّن مارسوا الضغط على قادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة كي يدفعهم إلى مساندة الصهيونيّة، وقد أصدر عام 1878 كتاباً عنوانه: (عيسى قادم) Jesus is coming، وهذا الكتاب تُرجم إلى لغات عدّة، والكتاب دعوة لاغتصاب فلسطين على أنّها أرض كنعان التي وُعِد بها يهود.

ومشى على هذا النهج رؤساء الولايات المتّحدة، ومنهم جون آدامز (1767 – 1848) الذي جاهر بدعوة صريحة بأن يعمل الجميع لتكون فلسطين وطناً قوميًّا للصهاينة، وقد كتب رسالة إلى الصحفي الصهيوني مانويل نوح عام 1818 يقول فيها: أتمنّى أن أرى ثانية أمّة يهوديّة مستقلّة في يهودا.

وقد نما هذا التيار حتّى تجاوز أتباعه الخمسين مليون أمريكي، هم من يسمّون بالمحافظين الجدد، وهم من يمارسون الشراكة الكاملة مع العدوّ المحتلّ لفلسطين في كلّ جرائمه.

هـ- نمت الحركة الصهيونيّة في هذا الفضاء، ويهود يقيمون في أحياء مغلقة في مدن أوروبا (غيتو)، وكانت هذه الغيتوات بؤر الفساد التي عانى منها الأوروبيون، وباتوا يتطلّعون إلى وسيلة للخلاص منها، كما كان يهود روسيا القيصريّة قد اشتركوا بمؤامرات واغتيالات ممّا عرّضهم للنفي والملاحقة. وكان من نتائج ذلك انعقاد المؤتمر التأسيسي الأوّل للمنظّمة الصهيونيّة العالميّة اليهوديّة والصندوق القومي اليهودي بدعوة تيودور هرتزل في مدينة بال السويسريّة في شهر آب/أغسطس من العام 1897، وقد أقرّ المؤتمر وثيقة هي كتيّب قدّمه هرتزل عنوانه: "الدولة اليهوديّة". وممّا قالوه يومها: "تهدف الصهيونيّة إلى إقامة وطن للشعب اليهودي في فلسطين تحت حماية القانون العام."

والقانون العام –كما يرون- هو حماية دول النفوذ التي هي أوروبا الغربيّة يومها، ومعها حالياً الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

2- من كامبل بنرمان إلى وعد بلفور المشؤوم:

تجدّدت التطلّعات الاستعماريّة الأوروبيّة الغربيّة إلى الشرق، ومنه الوطن العربي بكلّ مكوّناته في القرن التاسع عشر، وحصل غزو واحتلال لبعض الأقطار، وكان الاستعمار الأوروبي الغربي يسعى لإكمال الإجهاز على كلّ ما كان تحت حكم السلطة العثمانيّة. ومع أوائل القرن العشرين بدأ التخطيط الفعلي من أجل تحقيق أهدافهم هذه، وكان لهذه الغاية مؤتمر لندن الذي اشتهر باسم: (مؤتمر كامبل بنرمان) بدعوة من حزب المحافظين البريطاني في العام 1905، وكانت الدول الاستعماريّة المجتمعة هي: بريطانية، وفرنسة، وهولندة، وبلجيكا، وإسبانية، وإيطالية.

قامت اللجنة بدراسات سرّيّة أفضت إلى تقرير في العام 1907، عُرِف باسم (وثيقة كامبل بنرمان)، وكامبل بنرمان كان يومها رئيس وزراء بريطانية وينتمي إلى حزب الأحرار. وكان بين يديّ اللجنة أوراق صهيونية مقدّمة من مؤتمر بال السابق ذكره، ومن صهاينة أمثال بالمرستون ودزرائيلي وغيرهما، ومن بين ذلك نداء نابليون للصهاينة من يهود عام 1799 يوم حاصر عكّا وفشل في غزوته. أمّا وثيقة كامبل بنرمان (1917) فقد جاء فيها بخصوص الأمّة العربيّة واغتصاب فلسطين ما يلي:

"على الدول ذات المصلحة أن تعمل على استمرار تأخّر المنطقة (الأمّة العربيّة) وتجزئتها، وإبقاء شعوبها جاهلة متناحرة، وعلينا محاربة اتّحاد هذه الشعوب وارتباطها بأيّ نوع من أنواع الارتباط الفكري، أو الروحي، أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العمليّة القويّة لفصلها بعضها عن بعض، وكوسيلة أساسيّة مستعجلة، ولدرء الخطر، توصي اللجنة بضرورة العمل على فصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي، وتقترح لذلك إقامة حاجز بشري قوي وغريب بحيث يشكّل في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس قوّة صديقة للاستعمار عدوّة لسكّان المنطقة."

وهكذا تكون اللجنة قد استخدمت الجغرافية السياسيّة معياراً يسعفهم على حراسة التجزئة التي سيرسمونها لاحقاً بغرس نبتة خبيثة في قلب الأمّة، وتكون هذه النبتة الخبيثة خادمة لمصالحهم، بما في ذلك الإبحار في قناة السويس.

ثمّ جاء وعد وزير خارجيّة بريطانية آرثر بلفور بتاريخ 2/11/1917 تنفيذاً لهذه لتوصية، حيث قرّر إقامة حاجز بشري استعماري استيطاني إحلالي على أرض فلسطين، هو الكيان الصهيوني.

وقد كانت دوافع بريطانية كشريكاتها استعماريّة من جهة، ولأنّها أرادت كسب المنظّمة الصهيونيّة داعماً لها ماديًّا وبشريًّا، والأهمّ هو التوافق على القراءة الحرفية للعهد القديم، وهي مشتركة بين حكّام بريطانية والصهاينة.

ثمّ جاء بعدها مخطّط سايكس بيكو (1916) الذي التقى لصياغته فرنسوا بيكو الفرنسي، ومارك سايكس البريطاني، ووضعا الخريطة التي قسّمت الأمّة العربيّة إلى كيانات هي الدول القائمة الآن (22دولة). وبعده توالت الاجتماعات خدمة لهذه الغايات، فكان مؤتمر فرساي (1919)، وسان ريمو (25/4/1920)، وسيفر (10/8/1920)، ولوزان (24/7/1923). وكلها كانت لتثبيت التجزئة واتّخاذ الخطوات المطلوبة لتهويد فلسطين، وصولاً إلى الاغتصاب بشراكة بريطانيّة مع العصابات الصهيونيّة الوافدة من أقطار الدنيا مدجّجة بالسلاح والمال الصهيوأوروبي في 15/5/1948.

أمّا وعد بلفور فهو رسالة موجّهة من وزير خارجيّة بريطانية آرثر جيمس بلفور إلى اللورد الصهيوني ليونيل ولتر روتشيلد، هذا نصّها: "يسرّني جدًّا أن أنقل إليكم بالنيابة عن حكومة جلالته التصريح التالي المتعاطف مع أماني يهود الصهاينة، وقد عُرِض على الوزارة وأقرّته.

إنّ حكومة صاحب الجلالة ترى بعين العطف تأسيس وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جلياً أنّه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنيّة والدينيّة للطوائف غير اليهوديّة الموجودة في فلسطين، أو الحقوق والوضع السياسي التي يتمتّع بها يهود في أي بلد آخر. وسأكون ممتنًّا إذا ما أحطتم الاتّحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح."

هكذا كانت الجريمة الموصوفة من خلال وعد مشؤوم مضى عليه مئة سنة، وهذا العام وعندما ارتفعت أصوات تطالب حكومة بريطانية بالاعتذار عن وعدها المجرم العدواني والتكفير عن خطيئتها، كما نقل مسؤولون فلسطينيون طالبوا بذلك نهار الثلاثاء في 25/4/2017، رفضت بريطانية أن تعتذر، لا بل تمادى العدوان عندما أعلن ناطق باسم الخارجيّة البريطانيّة قائلاً: إنّ بريطانية لن تقدّم اعتذاراً، وإنّ إعلان بلفور بيان تاريخي. وتنوي رئيسة وزراء بريطانية تيريزا ماي إقامة احتفالات بالذكرى المئويّة للوعد المشؤوم، وقد دعت بنيامين نتنياهو لحضور الاحتفالات.

ويبقى السؤال: إلى متى الصمت والخذلان عن هذا العدوان على الأرض والشعب والمقدّسات؟!

3- وِقفة مع حال الكيان الصهيوني الغاصب:

إذا كان من واجب الإنسان الموضوعي الرشيد أن يعمد إلى الحذر والوقوف بدقّة على حال أمّته وواقعه، وأن لا يقلّل من أمر أعدائه، ولا أن يخفّف من مقدار شرورهم ومخطّطاتهم التآمريّة، لكنّه في الوقت نفسه مطالب ألاّ يذهب مذهب التضخيم لقدرات الأعداء ليبرّر من خلال ذلك التخاذل تمهيداً للاستسلام. والموقف السليم إنّما هو رفض التهوين والتهويل.

إنّ العدوّ الصهيوني من خلال الحشد الصهيوأمريكي والصهيوأوروبي يتمتّع بحال من القوّة، وبقدرة على تنفيذ بعض ما يخطّطه، لكن خيار المقاومة التي هي إرادة حرّة، وموقف عزّة وكرامة، وقرار مستقل، تتمتّع كذلك بقدرات متنوّعة على الإنجاز، ولا تعتمد كلّها على ما هو ذاتي، بل الصحيح استثمار تقاطع المشروعات والمقاصد مع قوى إقليميّة ودوليّة تصبّ مواقفها في خدمة مشروعنا في تحرير الأرض والمقدّسات، هذا من غير أن يغيب عن البال أنّ المقاومة متنوّعة، منها السياسي، ومنها الإعلامي، ومنها الفكري، ومنها الاقتصادي، ومنها الحرب النفسيّة، وحروب الآداب والفنون، ومنها ما هو استثمار للقانون الدولي والمواثيق والمؤسّسات، وصولاً إلى المقاومة باستخدام القوّة التي تتراوح بين الحجر والسكّين وبين الصاروخ والمدفع.

ويفيد تسجيل الأمور الآتية:

أ- إنّ المقاومة منذ ثورة البراق في العام 1929 إلى يومنا هذا في العام 2017 قد اتّخذت أشكالاً متعدّدة، واستفادت من ميادين وأنواع السلاح وأساليب المقاومة المتعدّدة، لكنّها، ومع تنوّع ساحاتها من فلسطين إلى دول الطوق حول فلسطين، إلى كلّ مكان كانت فيه، حقّقت الكثير الكثير، وأهمّ ذلك التأثير الجوّاني النفسي الذي بدأ يخلّف عامل تفكيك بنيوي للوضع الاجتماعي والنفسي عند الصهاينة المحتلّين، والمتابع يعلم أنّ عدد عيادات العلاج النفسي في الأرض المحتلّة، وعدد روّادها، لا تقاربها حالة في العالم قاطبة، وقد بدأ ذلك يظهر من تصريحات عديدة آخرها تصريح لرئيس حكومة العدوّ بنيامين نتنياهو في 9/10/2017 أثناء ندوة دينيّة استضافها في منزله مع زوجته سارّة، وممّا قاله: أحذّر من مخاطر وجوديّة قد تواجه دولة إسرائيل، وهناك ضرورة أن تكون الدولة على أهبّة الاستعداد للتهديدات التي تهدّد وجودها ليتسنّى بعد ثلاثة عقود الاحتفال بيوم 15/5/1948. وذكّر نتنياهو (بمملكة الحشمونائيم) التي عاشت 73 سنة قبل أن يقضي عليها الرومان وكان قيامها عام (110ق.م.) زمن السلوقيين، واستمرّت حتّى العام (37ق.م.). والمملكة بالمصطلح القديم هي القبيلة، ولا يزال الأفارقة يستخدمون لشيخ القبيلة لقب (ملك)، وحشمونائيم مملكة صغيرة من بضع كيلومترات قامت في يهوذا في الضفّة الغربيّة. وكان استعراض نتنياهو في إطار الحديث عن كيانات قامت ولم تعمر لهم. ولاحظ الحاضرون أنّ نتنياهو كان في منتهى القلق على مصير كيان العدوّ (إسرائيل). كما رووا.

ب- إنّ المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي العنصري قام على الأساسات الآتية:

-الهجرة اليهوديّة من أنحاء العالم كافّة إلى الأرض المحتلّة لمعالجة الجانب الديمغرافي (السكاني).

- التهجير والتشريد للفلسطينيين (الترانسفير) لتفريغ الأرض من أصحابها لمنع النموّ السكّاني الفلسطيني.

- التوسّع واحتلال أراضٍ جديدة من خلال الوعد المزعوم: من الفرات إلى النيل .

- التفوّق العسكري والانفراد بامتلاك القوّة.

وإذا راجعنا هذه المقوّمات نجد أنّ الهجرة اليهوديّة باتت بالاتّجاه العكسيّ، حيث يسعى مئات الألوف للخروج من فلسطين المحتلّة، هذا مع ضمور أعداد الوافدين من بلدانهم الأصليّة. وبالنسبة للترانسفير، فإنّ حالة من الصمود الأسطوري والثبات في الوطن التي ظهرت عند الفلسطينيين أذهلت العالم، هذا مع النموّ السكّاني بحيث بات عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخيّة أكثر قرابة نصف مليون من عدد الغاصبين الصهاينة.

وبالنسبة للتوسّع، فإنّ العدوّ انسحب من سيناء، ومن غزّة، وسلّم مناطق للسلطة الفلسطينيّة، وأقام جدراناً عازلة حول أحياء وقرى في القدس، وفي مناطق حدوديّة مع لبنان ومع غزّة، وكلّ هذا يضرب إرادة التوسّع.

أمّا القوّة فلقد خسر العدوّ في مواجهات وحروب بدءاً من هزيمته في حرب تشرين الأوّل/أكتوبر عام 1973، وبعده اندحاره في العام 2000م، والعام 2006 على الحدود مع لبنان، وهزيمته وانسحابه من غزّة عام 2005م، وتعاظم قوّة المقاومة في الداخل الفلسطيني ممّا أفقده القدرة على ضبط أمن الصهاينة بمن في ذلك جنوده.

ج- يمرّ العدوذ الصهيوني هذه الأيّام بحالة من الحصار الدولي، وهي مضافة إلى فشل كلّ محاولات التطبيع، حيث يصطدم الصهاينة بحالة من الرفض لوفودهم على المستوى الرسمي، أو الثقافي، أو الرياضي. ومن حالات الحصار ما يلي:

- نيل فلسطين عضويّة هيئة مراقبة في هيئة الأمم المتّحدة، وقد رُفِع العلم الفلسطيني رسميًّا فوق مبنى الأمم المتّحدة أثناء الجمعيّة العموميّة في النصف الثاني من أيلول/سبتمبر 2017، والمساعي متواصلة لتكون العضويّة عضويّة كاملة.

- نالت فلسطين العضويّة الكاملة في المحكمة الجنائيّة الدوليّة في لاهاي، وذلك في 1 نيسان/أبريل 2014.

- نالت فلسطين العضويّة الكاملة في منظّمة الشرطة الدوليّة (الأنتربول) وذلك في 29/9/2017.

- بعد قرار المنظّمة الدوليّة للتربية والعلوم والثقافة (Unesco) اليونيسكو القاضي أنّ الأقصى خاصّ بالمسلمين بما في ذلك الحائط الغربي منه (حائط البراق)، والساحة المقابلة له (وقف المغاربة)، وبعد محاولات مشتركة من قبل الولايات المتّحدة الأمريكيّة والعدوّ الإسرائيلي لم تفلح أمام إصرار رئيس المجلس التنفيذي للمنظّمة السفير مايكل وربس على إبقاء بند قرار فلسطين المحتلّة ومنه بند القدس على جدول أعمال المجلس، وإعادة النقاش خلال الدورة رقم 204 التي ستنعقد أواخر ربيع العام 2018، كانت ردّة الفعل نهار الخميس 12/10/2017 أن انسحبت الولايات المتّحدة الأمريكيّة وكيان العدوّ الإسرائيلي من منظّمة اليونيسكو. هذا معطى جديد، فعوض أن كان الأمريكي يسخّر المنظّمات الدوليّة لصالح العدوّ الإسرائيلي بات هو من ينسحب أمام فشله، وهذا أمر يستحقّ أن يقف أمامه أهل خيار المقاومة.

- شهد شهر تشرين الأوّل/أكتوبر من هذا العام 2017 حدثين برلمانيين، الأوّل في المملكة المغربيّة يوم 7/10/2017، عندما جاءت الوفود البرلمانيّة المتوسّطيّة للاجتماع في الغرفة الثانية بناء لدعوة من (الجمعيّة البرلمانيّة المتوسّطيّة) ومنظّمة التجارة العالميّة، وقد حضر وفد من برلمان العدوّ الإسرائيلي برئاسة وزير الدفاع الأسبق عمير بيريس، فما كان من النواب المغاربة إلاّ أن انتفضوا هاتفين لفلسطين، وقد قاموا بطرد الوفد البرلماني الصهيوني.

والواقعة الثانية في اجتماع (الاتّحاد البرلماني الدولي) في سان بطرسبورغ في مؤتمر رقم 137، بتاريخ 18 تشرين الأوّل/أكتوبر 2017، حيث ثار رئيس البرلمان الكويتي السيّد مرزوق الغانم في وجه وفد برلمان العدوّ، وطردهم مع عبارات تصف عدوانهم وإجرامهم.

-تشديد المقاطعة على اقتصاد العدوّ حيث نفّذ الاتّحاد الأوروبي قراره القاضي وضع علامة فارقة على كلّ ما تنتجه المستعمرات الصهيونيّة القائمة في الضفّة الغربيّة والقدس والجولان المحتلّ، وهذا قرار نافذ منذ سنتين، ونهار الأربعاء في 27/9/2017 أرسل مفوّض حقوق الإنسان في الأمم المتّحدة تحذيرات إلى أكثر من خمسين شركة تستثمر في الضفّة الغربيّة والقدس والجولان السوري المحتلّ، بأنّها عليها أن ترحّل استثماراتها، وإذا استمرّت ستوضع أسماؤها على القائمة السوداء. وإذا عرف المتابع أنّ 32 بالمئة من إنتاج إقتصاد العدوّ الإسرائيلي هو في هذه المناطق، يدرك حينها أهميّة هذه القرارات والإجراءات.

4- المهمّات المطلوبة:

إنّ الأساس هو التزام خيار المقاومة، والمقاومة المطلوبة ميادينها السياسة، والفكر، والأدب، والفنون، والإعلام، والإقتصاد، ومقاومة التطبيع، والحراك الشعبي، وأعلى مستويات المقاومة إنّما هو استخدام القوّة بناء للقاعدة الذهبيّة التي أعلنها جمال عبدالناصر: "ما أُخِذ بالقوّة لا يُستردّ بغير القوّة." تأسيساً على ما تقدّم يكون المطلوب ما يلي:

أ- مواصلة الحصار الدولي على العدوّ الإسرائيلي سواء في هيئة الأمم المتّحدة، أو مؤسّساتها استناداً إلى المواثيق الدوليّة، وما ينصّ عليه القانون الدولي الإنساني، هذا مع استخدام العضويّة في المحكمة الجنائيّة الدوليّة، ومنظّمة الشرطة الدوليّة (الأنتربول) لملاحقة قيادات كيان العدوّ بالمزيد من الشكاوى والملاحقات.

ب- واجب جامعة الدول العربيّة، ومنظّمة التعاون الإسلامي، أن توقفا هذه الحالة من الاستهتار بحقّ قضيّة العرب والمسلمين الأولى، قضيّة فلسطين، وأن تقوما بحركة ناشطة مع كلّ الأصدقاء في العالم ومع أنصار الحقوق الإنسانيّة لتشكيل حالة ضغط على العدوّ الإسرائيلي، ونشر ما يقوم به من جرائم وما قام به.

وواجبهما كذلك رفع شكوى أو أكثر أمام المحاكم الدوليّة، وأمام الأمم المتّحدة ضدّ بريطانية لإدانتها على إصدارها وعد بلفور، ومطالبتها بالاعتذار والتراجع، والتعويض على الفلسطينيين منذ وطئت أقدام المحتلّين أرض فلسطين إلى يومنا هذا.

ج- تنشيط حركات ومؤسّسات مقاومة التطبيع، وكذلك دعم حركة (B.D.S) العاملة لفرض المقاطعة على بضائع العدوّ، وسحب الاستثمارات من تحت سلطته الغاصبة، وفرض الحصار عليه والمطالبة بمعاقبة كلّ شركة تدعم مشروعاته الاستيطانيّة.

وتعزيز ثقافة المقاومة من خلال الأقلام والإعلام، وبشكل خاصّ تربية الأجيال وتنشئتها على هذه الثقافة.

د- تعزيز الدعم المادّي للشعب الفلسطيني في الداخل، وبشكل خاصّ المقدسيين الذين يعانون من حصار اقتصادي يفرضه العدوّ منذ سنوات، ودعم المؤسّسات التعليميّة والاستشفائيّة والأدبيّة والفنيّة، لتعزيز الصمود الفلسطيني في أرض فلسطين التاريخيّة. هذا إضافة إلى الدعم السياسي، ومن خلال الفعاليات الشعبيّة في مختلف الساحات، والأماكن المتاحة.

هـ- نشر المادّة الثقافيّة الوافية التي تبيّن هويّة القدس والمقدّسات وسائر التراث والواقع الفلسطيني، وذلك لمواجهة حملة التزوير التي يقوم بها العدوّ لتهويد القدس والمقدّسات، وكلّ معالم فلسطين في حركة تزوير خطير للتاريخ، وضرب للشخصيّة الفلسطينيّة العربيّة الحضاريّة.

و- إذا كان التقدّم العربي لا يقوم على التجزئة، والأمن العربي لا يتحقّق في ظلّ التجزئة، وإذا كان الاتّحاد العربي حقيقة وضرورة وفق الصيغة المتّفق عليها ديمقراطيًّا باعتماد الاتّحاد أو الولايات العربيّة المتّحدة أو تكامل الوطنيّات في إطار العروبة الحضاريّة الجامعة، فإنّ ذلك لا يتحوّل إلى حقيقة وواقع إلاّ بعد إزالة الحاجز المصطنع بين شطريّ الأمّة العربيّة في أفريقية وآسية، كما هي مؤامرة كامبل بنرمان. فإنّ تحرير فلسطين التاريخيّة وفي قلبها القدس واجب وطني فلسطيني وواجب قومي عربي.

بقلم: أ. د. أسعد السحمراني*

 * مسؤول الشؤون الدينيّة في المؤتمر الشعبي اللبناني

أستاذ العقائد والأديان المقارنة في جامعة الإمام الأوزاعي-بيروت

انشر عبر
المزيد