أخطار إطاحة الاتفاق النووي مع إيران

18 تشرين الأول 2017 - 09:35 - الأربعاء 18 تشرين الأول 2017, 09:35:36

تصدّر وصف دونالد ترامب في مجلس الأمن كيم يونغ أون بـ «رجل الصواريخ» وتلويحه بتدمير كوريا الشمالية اذا استفزت أميركا، العناوين. ولكن، والحق يقال، ان تلويح ترامب بالانسحاب من الاتفاق الإيراني النووي، هو أكثر ما يبعث على القلق. ورد الرئيس الإيراني، حسن روحاني على التهديد بالقول إن بلاده إذا أخلّت أميركا بالاتفاق وانسحبت، تكون مطلقة اليد في الإقدام على ما يخدم مصالحها. وهذه الأجواء تعيد الى الأذهان لحظة ابتعاد واشنطن عن الاتفاق النووي مع كوريا الشمالية في 2002، وإطاحتها أمثل فرصة لإحباط البرنامج النووي الكوري الشمالي. وأوجه الشبه بين الاتفاق المبرم مع ايران في 2015 وبين نظيره المفاوض عليه مع كوريا الشمالية في 1994، كبيرة.

وبدأت المشكلتان أو القصتان مع طموحات بيونغيانغ وطهران النووية. وفي الحالتين، يعود الفضل في كشف البرنامجين الى القدرات الأميركية الاستخباراتية وعمليات تفتيش وكالة الطاقة الذرية الدولية. فتقنيات الوكالة هذه، مثل فحص عينات بيئية، ضبطت كلاً من الحكومتين على حين غرة، وأماطت اللثام عن برنامج كل منهما النووي في وقت أبكر مما توقعت بيونغيانغ وطهران. وجمّدت كل من بيونغيانغ وطهران برنامجهما النووي نزولاً على ضغوط دولية. واليوم، يدرك المرء دواعي امتثالهما هذا.

فالبرنامج الكوري الشمالي، شأن الإيراني، ضُبط قبل اشتداد عوده، ولم يكن يومها النجاح التقني مضموناً ولا كان ثابتاً ان واشنطن لن تلجأ الى قوتها التقليدية الكاسحة لوقف هذين البرنامجين. وإلى أوجه الشبه، تبرز اوجه بتاين واختلاف.

فكوريا الشمالية كانت تسعى الى برنامج نووي ركنه البلوتونيوم، في وقت ان برنامج ايران ركنه تخصيب اليورانيوم بواسطة أجهزة طرد مركزية. وأبرمت واشنطن وبيونغيانغ اتفاق اطار نووي في جنيف في 1994، بعد عامين فحسب على اندلاع الأزمة. والأزمة مع ايران دامت سنوات، وأُبرم الاتفاق الشامل في 2015- اي بعد 13 عاماً على الكشف عن منشآت سرية لتخصيب اليورانيوم. ولكن الاتفاقين أجمعا على تسوية متشابهة: رفع طوق العزلة الدولية مقابل وقف دوران البرنامج العسكري (النووي).

وارتضت بيونغيانغ وطهران تفتيشاً دولياً، وخوّل الاتفاق كل منهما مواصلة السعي الى قوة نووية سلمية، ولو تحت إشراف مُحكم. وأطلق الاتفاقان سلسلة ردود داخلية في الولايات المتحدة، تحديداً في وسط أولئك الراغبين في مواصلة الضغط على بيونغيانغ وطهران جزاء أسباب اخرى، مثل انتهاك حقوق الإنسان أو تهديد دول الجوار. ووصف السناتور جون ماكين الاتفاق مع كوريا الشمالية والمفاوضات مع ايران بـ «التهدئة». وواجه كل من الاتفاقين محاولات ترمي الى إطاحتهما. فالجمهوريون في الكونغرس ناضلوا من أجل ان تخلّ بلادهم بالتزاماتها مع كوريا الشمالية، فتأخّر تسليمها الوقود الثقيل. وسعى جمهوريون كذلك الى اعادة فرض عقوبات على ايران وإلى عرقلة استئناف الأعمال معها. وزعم معارضو الاتفاقين ان كوريا الشمالية وإيران لم تلتزما بنودهما، وروّجا لأخبار ثبت انها ضعيفة الصلة بالواقع، ومنها انشاء منشآت نووية تحت الأرض في البلدين هذين.

ولا شك في أن الاتفاق (المجهض) مع كوريا الشمالية والاتفاق مع إيران لم يساهما في تذليل المشاكل كلها. فالاتفاقان لم يحظّرا تطوير صواريخ ولا إجراء تجارب صاروخية، على رغم أن خطر الصواريخ تعاظم على أميركا وحلفائها. وفي كوريا الشمالية، برزت مؤشرات إلى شراء باكستان برنامج تخصيب سرّي لليورانيوم. وسعت إدارة كلينتون إلى جبه هذه المشكلات في عملية عرفت بـ«بيري بروسيس» (دعم الاتفاق بإجراءات ديبلوماسية تقف على إنهاء كوريا الشمالية برنامجها الصاروخي). وأوشك بيل كلينتون على إبرام اتفاق صواريخ قبل أن تطيح الاتفاق فوضى انتخابات عام 2000. وما حصل يومها يشبه ما ينصح به بعض الجمهوريين في مواجهة الاتفاق الإيراني.

وأرادت إدارة جورج دبليو بوش استئناف المفاوضات مع بيونغيانغ حيثما انتهت مع إدارة كلينتون. ولكن معلومات استخباراتية جديدة أشارت إلى أن أعمال بيونغيانغ في التخصيب فاقت الحسبان، فانتهز معارضو الاتفاق في الإدارة الجديدة الفرصة للإطاحة به. «هذه المطرقة التي كنت أبحث عنها... لتهشيم اتفاق الإطار (مع كوريا الشمالية)»، كتب جون بولتون، مساعد وزير الخارجية الأميركية حينها، في مذكراته.

ولا يخفى أحد ما جرى. في تشرين الأول (أكتوبر) 2006، استأنفت كوريا الشمالية تجاربها الصاروخية الطويلة المدى بعد أن علّقتها أثناء عملية «بيري»، وأجرت أول تجربة نووية. وأدركت إدارة بوش أنها اخطأت، فاقترحت نسخة معدلة «ومقلصة» من اتفاق الإطار الذي تخلّت عنه، يشمل ما سبق لبوش أن أصلاه نقداً شديداً: تجميد برنامج كوريا الشمالية النووي عوض تفكيكه فوراً وقبول تزويد بيونغيانغ بمفاعل نووي لإنتاج الطاقة. وربما كانت كوريا الشمالية راغبة في مقايضة مشروع سلاح نووي (لم ينجز بعد) مقابل تحسين العلاقات مع اميركا والعالم. ولكن بعد تجربتها النووية الأولى، بدأت فرصة نزع النووي الكوري الشمالي تضيق وتتبدّد. ثم سعى بوش ومن بعده باراك اوباما الى اتفاق مع بيونغيانغ، ولكن جهودهما انهارت ولم تكلل بالنجاح.

والحق يقال إن إقناع بلد بالتخلي عن سلاح نووي لا يملكه بعد أيسر من إقناعه بعد حيازته. لذا، رمت إدارة أوباما بثقلها وراء اتفاق مع ايران التي لم تحز بعد سلاحاً نووياً. وحين كانت تسأل الإدارة هذه عن تفاقم مشكلة السلاح النووي في كوريا الشمالية، لم يسعها القول سوى انها تسعى الى الحؤول دون احتذاء طهران عليها.

واليوم، ترامب امام خيارات سبق ان واجهها بوش، فيما خلا تباين واحد: على خلاف كوريا الشمالية وبرنامجها السرّي لتخصيب اليورانيوم، تلتزم ايران الاتفاق المبرم في فيينا، وهذا ما اعلنته وكالة الطاقة الذرية. ولكن مثلما فعل بولتون، ثمة من يبحث اليوم عن «مطرقة». وإذا تخلى ترامب عن الاتفاق النووي مع إيران، ينتظرنا، على الأغلب، مآل سبق لنا اختباره: بروز دولة معادية لأميركا تلوّح بصواريخ مزوّدة برؤوس نووية. ألا يكفينا رجل صواريخ واحد؟

جيفري لويس - الحياة اللندنية / 18-10-2017

* باحث، عن "واشنطن بوست" الأميركية، 22-9-2017

انشر عبر
المزيد