الكنيسة اليونانية تبيع أرض رعيتها العربية في فلسطين المحتلة

12 تشرين الأول 2017 - 02:17 - الخميس 12 تشرين الأول 2017, 14:17:07

بطريرك الروم الأرثوذكس في الأراضي المقدسة ثيوفيلوس الثالث
بطريرك الروم الأرثوذكس في الأراضي المقدسة ثيوفيلوس الثالث

وكالة القدس للأنباء – متابعة

جدير بسدنة قيم المحبة والتسامح في العقيدة المسيحية أن يعطوا النموذج الأمثل في أدائهم ورعايتهم للمؤسسة الكنسية، لكن كنيسة الروم الأرثوذكس في الأراضي الفلسطينية تمضي في التفويت بأراض وممتلكات مسيحية إلى السلطات الإسرائيلية في صفقات مشبوهة، ولا شك أن السبب الواضح في هذا الخذلان للعرب المسيحيين هو غياب الروح الوطنية، ذلك أن بطاركة يونانيين يسيطرون تقليديا وإداريا على كنيسة الروم الأرثوذكس.

علاقة ضبابية مع القضية الفلسطينية

كوارث إنسانية وحضارية وسياسية تعيشها فلسطين منذ بدء الاحتلال، إلا أن أكثرها إيلاما أن تتحول أرض المسيحية الأولى إلى أرض بلا مسيحيين، ومسيحيين بلا أراض، فالانحسار الكبير والمتزايد في أعداد المسيحيين في العالم العربي عامة وفي فلسطين خاصة لمكانتها الدينية والوجودية في أذهان المسيحيين، سيجعل من فقدانها الوجود البشري للمسيحيين كارثة إنسانية وحضارية وسياسية مقبلة، والأكثر كارثية منه هو فقدان المسيحيين لأراضيهم في الصفقات السوداء للكنائس وتسريب أراضي الكنيسة في موطن المسيح، لمؤسسات استيطانية وسط رفض رعيتها العرب سلبهم أرض أجدادهم.

في التاسع من الشهر الفائت تظاهر المئات من أبناء طائفة الروم الأرثوذكس الفلسطينيين، بمشاركة مسيحيين من طوائف أخرى ومسلمين في مدينة القدس، احتجاجا على تسريب ممتلكات كنسية إلى جهات إسرائيلية وطالبوا برحيل بطريرك الروم الأرثوذكس في الأراضي المقدسة ثيوفيلوس الثالث.

ورفع المتظاهرون يافطات كتب عليها “الأوقاف الأرثوذكسية ملك للطائفة وليس لثيوفيلوس”، هذه التظاهرة أتت بعد أن كشفت صحيفة “كلكليست” الاقتصادية الإسرائيلية، والقناة العبرية الثانية النقاب عن صفقة سرية بين البطريركية الأرثوذكسية وشركة “نايوت” التي ترأسها عائلة بن ديفيد، والتي بيعت بموجبها حقوق الملكية لـ500 دونم من أصل 560 دونما من أراضي الوقف المسيحي الأرثوذكسي، في منطقتي الطالبية والرحفية غرب القدس ما يعرف اليوم بشارع الملك داود ومحيط حديقة الجرس، وغيرها من الأحياء في قيسارية وطبريا ويافا والرملة، ويتواجد على هذه الأرض 1500 عقار، إضافة إلى قطع أراض كثيرة غير مستغلة، يجري استئجارها بموجب عقود تنتهي عام 2052.

إقصاء اليوناني جرمانوس للكهنة العرب عن الوظائف الكنسية العليا جعل الكنيسة يونانية والعرب طارئين

وقد أصدرت الكنائس في القدس بيانا في 4 سبتمبر أدانت فيه محاولات إسرائيل لتغيير الوضع الراهن في المدينة. البيان المشترك الذي وقّعه رؤساء الكنائس الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة والأرمنيّة والقبطيّة واللوثريّة والأنغليكانيّة، شدد على أهميّة احترام الحكومات حقوق الكنائس وامتيازاتها، كما طالبت شخصيات سياسية إسلامية ومسيحية الحكومة الأردنية بالتحرك تجاه هذا الملف لما يمثله من اعتداء على سيادتها على المقدسات وتنفيذا لمشاريع تهويد القدس.

الصفقة لم تكن الأولى من نوعها بالنسبة للبطريركية الأرثوذكسية (اليونانية)، فقد سبقت بما سمي قضية باب الخليل، وهي الصفقة التي باع فيها البطريرك السابق إيرنيوس في العام 2004 فندقي البتراء وإمبريال وبيت المعظمية في محيط باب الخليل، من دون علم البطريركيّة أو موافقتها، لجمعيّة “عطيريت كوهانيم” الإسرائيليّة اليمينيّة المتطرّفة.

وتم كشفها في 2005 إثر مصادقة المحكمة المركزية الإسرائيلية على تملك الجمعية الاستيطانية الحقوق القانونية لهذه العقارات الاستراتيجية وتهويدها والذي يعني تهويد أهم الأبواب للقدس، وأحد المداخل الأقرب من القدس الغربيّة إلى القدس القديمة، وساحة عمر بن الخطاب التاريخية الإرث المشترك ورمز التعايش الإسلامي المسيحي، ما أشعل الاحتجاجات العربية على البطريرك إيرينيوس الأول، وأثار غضب المسيحيين الفلسطينيين والأردنيين وأدى إلى إزاحته وحل محله البطريرك ثيوفيلوس الثالث، لتثير صفقته الأخيرة فتح الملف العالق بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية وتعريبها.

الكنيسة الأرثوذكسية هي الكنيسة الأولى في التاريخ التي تأسست في القدس عام 52 بعد الميلاد، وتمثل الوجود المسيحي المتجذر في فلسطين ويتبعها أكثر من 51 بالمئة من مسيحيّي فلسطين، وهي ما برحت تعاني مشكلة خاصة ومتمادية منذ زمن طويل هي انشطارها بين رعية عربية خالصة العروبة ورأس غريب عنها في الأصل، فقبل سنة 1534 كانت الكنيسة الأرثوذكسية عربية بالكامل من قمة الهرم الإكليركي إلى الرعية، ولكن صعود الكاهن اليوناني جرمانوس وإقصاءه الكهان العرب عن الوظائف الكنسية العليا، جعل الكنيسة الأرثوذكسية يونانية والعرب طارئين.

الانتهاكات الخطيرة وعمليات البيع العلني والتنازلات المجانية من قبل رأس الطائفة الأرثوذكسية قضية إسلامية مسيحية لوقف تهويد الإرث الحضاري العربي في فلسطين

المسيحيون العرب لم يفوتوا فرصة من أجل التأكيد أن كنيستهم عربية الأصل ويطالبون بتعريبها وتحريرها من تسلط الكنيسة اليونانية، لكن الظروف التي مرت على فلسطين منذ بداية القرن العشرين وإلى يومنا هذا أعاقت التحرر، ما جعل جميع الأوقاف الكنسية تحت وصاية المجمع الكنسي اليوناني، حيث يحق للبطريرك التفرد بالتصرف بالأملاك والمزارات والأوقاف الكنسية بصفته رئيسا للمجمع المقدس.

كما أن البطريركية الأرثوذكسية تخضع للقانون الأردني رقم 27/1958 ومواده التي تنص على “أن الطائفة الأرثوذكسية يمثلها البطريرك في كافة الأمور المرتبطة بالحكومة”، وتمنح البطريرك صفة معنوية يحق له من خلالها التصرف بالأملاك وبيعها أو تأجيرها لخدمة الكنيسة بعد موافقة أعضاء المجمع المقدس “الإكليروس” على أي إجراء يمسّ حقوق هذه الطائفة، ولكنه يتجاهل أن “المجمع المقدس” يجب أن يشكل بموجب هذا القانون على قاعدة التساوي بين العرب واليونان في تكوينه.

السخط الكبير تجاه الصفقة أعاد مسألة “تعريب الكنيسة” إلى الواجهة كضرورة للدفاع عن المصالح والحقوق الوطنية الفلسطينية وحماية أملاك الطائفة نفسها، خصوصا أن الكنيسة اللاتينية، التي يقف على رأسها بطاركة عرب، نجحت في استعادة عقارات نوعية كانت السلطات الإسرائيلية قد وضعت اليد عليها، منها مبنى كلية تراسنتا الاستراتيجي في القدس الغربية، ومبنى النوتردام مقابل الباب الجديد، الأمر الذي شجع أبناء الطائفة الأرثوذكسية على المطالبة بتعريب الكنيسة وعدم الصمت على تفرد وتسلط الكنيسة اليونانية ورهبانها على الإرث الكنسي العربي والأديرة والكنائس العتيقة والتفريط بأرض فلسطينية عربية والسيطرة على المدينة المقدسة بأكملها لتهجير سكانها المقدسيين وتجريدها من هويتها المسيحية والإسلامية.

نقل ممتلكات الطائفة الأرثوذكسية العربية إلى المؤسسات الإسرائيلية لا يقف عند حجم الممتلكات إنما في نوعيتها وما تحويه من كنوز تاريخية مسيحية أرثوذكسية، وبما تمثله من انتهاك للفلسطينيين المسيحيين؛ فمن يخسر أرضه يفقد هويته وكيانه.

وهو يصب في المحاولات الإسرائيلية المتكررة لاقتلاع الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه، وتغيير موازين القوى الجغرافية والسياسية في القدس، وإن حلها لا يتم باستبدال كاهن يوناني بآخر، إنما بتلبية الدعوات المسيحية الأرثوذكسية لتعريب كنيستهم العربية أصلا، ووقف منح الجنسية الأردنية للرهبان اليونان بحسب ما ينص عليه القانون الـ28 لعام 1958، وكف يد البطاركة اليونان المتسلطين على عروبة الكنيسة الأرثوذكسية والخاضعين للضغوط الإسرائيلية وإملاءاتها.

الانتهاكات الخطيرة وعمليات البيع العلني والتنازلات المجانية من قبل رأس الطائفة الأرثوذكسية لتجريد المسيحيين من حقهم في وطن المسيحية الأول ودرب الجلجلة الذي سار عليه المسيح وهو يحمل صليبه، ليست مسألة دينية خاصة بطائفة، إنما قضية إسلامية مسيحية لوقف تهويد الإرث الحضاري العربي في فلسطين وبيت المقدس.                          

المصدر: "العرب"

انشر عبر
المزيد