أنا بخير!

30 أيلول 2017 - 11:00 - السبت 30 أيلول 2017, 11:00:01

الشهيد محمد الدرة ووالده
الشهيد محمد الدرة ووالده

في مثل هذا اليوم شهد شارع صلاح الدين في قطاع غزة، وبعد يومين من انتفاضة الأقصى عام 2000، استشهاد الفتى الفلسطيني ابن الأحد عشر ربيعًا بدم بارد، وهو محتمٍ بوالده.

لقد هز هذا المشهد العالم بأسره، وبات محمد جمال الدرة رمزًا لمظلومية أطفال فلسطين، وشاهدًا على وحشية العدو الصهيوني وهمجية جيشه، وفي الوقت عينه شعلة مضيئة لانتفاضة الأقصى، وملهمًا أبطالها.

لم يستطع الوالد حماية ابنه من رصاصهم القاتل على الرغم من إصابته، ولم يستطع المشاهد حبس دموعه وإخفاء مشاعره. ولم تكن الكلمات التي نطق بها محمد قبل استشهاده: "اطمئن يا أبي، أنا بخير، لا تخف منهم"، إلا دليلاً على عمق الوعي الفطري، وسمو روح الشجاعة وطمأنينة النفس، ليس فقط لدى محمد الدرة، بل لدى كل فلسطيني يولد من رحم أمّ فلسطينية نافست الخنساء في زمانها.

لقد صار اسمه لحنًا موسيقيًّا ينساب عذوبة لما اشتمل عليه من الحزن والعنفوان والرقة والصلابة على حد سواء، ازدانت به منابرنا ومواقفنا وكلماتنا، وبتنا نردده وتصدح به حناجرنا في كل وقت وحين.

وقد نُظم فيه من الشعر ما لا يحصى، وتصدّر اسمه مختلف وسائل الإعلام، وكُتبت حوله مقالات لا حصر لها.

لم يعلم محمد بأن اسمه أيضًا قد حمله أخوه الذي ولد بعد استشهاده بعامين، وأن أمنية والده قد تحققت بولادة محمد من جديد، ولسان حاله يقول له: "اطمئن يا ابني، أنا بخير، لن أخاف من أحد، لقد أصبح عندي محمدَيْن، فلن تغيب أبدًا...".

كم نحن بحاجة إلى استحضار ذكراه، ونشر سيرته بين أبنائنا وتلامذتنا أينما وجدوا في بقاع الأرض، ولا سيما اللاجئين في مخيمات الشتات، ليتعلموا منها دروسًا عديدة في غاية الأهمية؛ من ناحية الإجرام الصهيوني واستباحته سفك الدم الفلسطيني واستغراقه في القتل والعدوان، ومن ناحية مستوى الوعي والشجاعة والاستبسال والتضحية لدى شعبنا المعطاء، ومن ناحية خطر الاستسلام والتطبيع مع العدو الصهيوني والاعتراف بشرعية وجوده على أرض فلسطين، ومن ناحية حفظ سلاح المقاومة وتطويره للدفاع عن الأطفال والنساء والشيوخ والمقدسات وتحرير فلسطين...

أين أنت يا محمد لتخبر أقرانك بأن يحصّلوا العلوم والمعارف، ويطوروا العقول والقدرات، ويسيروا في درب الجهاد والشهادة، ويبدعوا في أساليب القتال...

أين أنت لتصرخ في وجه المتخاذلين والمستسلمين والمتنازلين عن الحقوق والمقدسات، وتقول لهم: كفوا أيديكم فلستم تملكون الحق بالتصرف! وأيقظوا ضمائركم فقد اقترب الأجل! وسيُكتب تاريخكم والتاريخ لا يرحم!

أين أنت يا درة فلسطين لتحذر الخائفين على عروشهم وسلطانهم من مغبة التطبيع مع الصهاينة والاعتراف بكيانهم المزعوم، وتقول لهم: كفى خيانة لعروبتكم، ولأرض الإسراء والمعراج!

أين أنت يا لحن الأقصى لتطلب من أهلك في مخيمات الشتات واللجوء أن يتمسكوا بحق العودة، ولا يسمحوا للعابثين بحرف بوصلتهم عن القدس وفلسطين، ولا يفرطوا بكل ما يثبت حقوقهم.

أين أنت يا محمد لتعانق النمر الذي قتل ثلاثة من جنود الصهاينة وجرح رابعًا بمسدس صدئ، بعد كسره كل الإجراءات الأمنية المتشددة، وإيصال رسالة واضحة بأن انتفاضة الأقصى ما زالت مستمرة، وأن رجال القدس حاضرون ولن يعدموا وسيلة لمفاجأة الصهاينة المحتلين وإيلامهم، وأنهم لن يتخلوا عن مقاومتهم حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني.

إحسان عطايا

       30/9/2017

انشر عبر
المزيد