هل يستعد الكيان لمعركة فاصلة في القدس؟

26 تموز 2017 - 10:21 - الأربعاء 26 تموز 2017, 10:21:43

خالد أبو حيط

حمل صباح اليوم أخباراً جيدة للمرابطين في القدس وحولها.  فقد كسروا بصمودهم وإرادتهم واستعدادهم للتضحية بأرواحهم قرارات الحكومة الصهيونية، وأجبروها على التراجع، وتفكيك البوابات الالكترونية.  كان نتنياهو وحكومته أول من صرخ في لعبة عض الأصابع، رغم استخدام كل أدوات التنكيل والقمع، ورغم الدعم الحكومي الذي شكل شبكة أمان لقرارات الحكومة. ومن يصرخ أولاً يخسر.

ورغم الرقابة الأمنية الصارمة على وسائل الإعلام العبرية، إلا أن عدداً من المعلقين والمحللين لاحظوا أن نتنياهو وحكومته قد ارتكبوا سلسلة من الخطايا السياسية: فقرارات الحكومة كان من شأنها ليس إشعال كامل فلسطين المحتلة، بما في ذلك الأراضي المحتلة عام 1948 فحسب، بل وكذلك تحويل الصراع إلى صراع ديني من جهة، وتحويل الاحتجاجات إلى حرب شوارع بين الفلسطينيين والمستوطنين، وهي النار التي عمل على إذكائها مستوطنو الخليل، من جهة ثانية.

ظن نتنياهو وحكومته أن الأوضاع في المنطقة العربية تسمح لهم بالذهاب خطوة إضافية، والاستيلاء على المسجد الأقصى المبارك، وفرض السيطرة الصهيونية عليه بالكامل، والتحكم بأوقات الصلاة، ومواعيد فتح وإغلاق البوابات.  الاقتتال الدموي الدائر في أكثر من جبهة في المنطقة، من جهة، والعلاقات السرية التي بدأت تطفو على السطح وصولاً إلى الحديث العلني عن تنسيق أمني وسياسي مع أنظمة عربية، ولا سيما في الخليج، من جهة ثانية، أغرت نتنياهو بأن الفرصة سانحة، ولا سيما بعد أن تأكد أن السلطة الفلسطينية غير قادرة، أو أنها لا تجرؤ، على وقف التنسيق الأمني، الأمر الذي يعني عملياً الاستفراد بالقدس، حيث يكفل التنسيق الأمني القائم أن لا تهب الضفة المحتلة ومدنها، كالخليل ونابلس وجنين، لإنقاذ القدس وأهلها.

غير أنه سرعان ما تبين أن  استراتيجية نتنياهو بنيت على أوهام من الرمال.  صحيح أن الحكومات العربية لم ترفع صوتها احتجاجاً على إجراءات العدو في القدس، لكنها كانت أضعف من أن تدعم هذه الإجراءات علانية.  خرجت بعض الأصوات الناشزة من هنا وهناك، لكن لم تجرؤ أي شخصية رسمية على التفوه بحرف واحد دعماً للكيان.  وصحيح أن الشوارع العربية لم تتحرك في تظاهرات حاشدة نصرة للقدس، لكن الصحيح أيضاً أن هذا الهدوء كان مخيفاً للأنظمة.  وما جرى في عمان يؤكد ذلك.  فجريمة قتل فتى أعزل على يد حارس أمن في مبنى تابع للسفارة الصهيونية في عمان كان من شأنه أن يشعل الشارع الأردني برمته، لو أن الجريمة لم يتم دفع ثمن سياسي لها.  وما روجه الصهاينة بأن الغضب في الأردن سببه أن غالبية مواطنيه هم من أصل فلسطيني هو كذب على النفس، فالقدس ومقدساتها لا تعني الفلسطيني بأكثر مما تعني كل مسلم في أية عاصمة عربية.  استشعرت الأنظمة أن الغضب إذا ما تحول إلى مظاهرات غاضبة، فلا أحد يضمن أن تكتفي بالمطالبة بنصرة القدس فحسب، وأن لا تتحول إلى موجة جديدة من مظاهرات إسقاط الأنظمة، ولا سيما أن حالة الاحتقان السائدة حالياً ليست أقل منها عشية 2010.

ورغم الشكوك التي أثيرت حول مصداقية رئيس السلطة، محمود عباس، بالالتزام بقرار وقف كافة أشكال التنسيق مع العدو، بما في ذلك التنسيق الأمني، إلا أن مفعولها، من الناحية السياسية، لا يتأثر بتلك الشكوك: لم تعد السلطة قادرة على التنسيق العلني، وإذا ما استمر العدو في إجراءاته، فإن السلطة قد تفقد السيطرة على الأرض، كما سيفقد التنسيق الأمني وظيفته.  وقد التقطت حكومة نتنياهو هذه الإشارة وفهمتها جيداً: لكي نستمر في إنقاذكم، عليكم أن تنقذونا!

التراجع الذي فرضه أهل القدس ومرابطوها، من نساء وأطفال وشيوخ وشبان، على الحكومة الصهيونية لم يصل بعد إلى مستوى الانتصار الكامل، ليس لأن القدس لم تتحرر فحسب، ولا لأن العدو يبحث عن أدوات بديلة يستعيض بها عن البوابات الإلكترونية. فالقرارات التي اتخذتها الحكومة الصهيونية تعني شيئاً واحداً: بدء المعركة الفاصلة في القدس!

بالنسبة للمشروع الصهيوني، تمثل القدس صلب الأيديولوجية الصهيونية القائمة على الأساطير التلمودية، والتي يحتل فيها “الهيكل المزعوم” ركناً أساسياً.  ومنذ احتلال القسم الشرقي من القدس، عام 1967، عمد العدو إلى تنفيذ سياسات بحق القدس وأهلها، هدفها تهويد المدينة، وإفراغ ما أمكن من أهلها المقدسيين منها، وعزلها عن محيطها، وعمليات الحفر والتنقيب الخائبة، وإلى غير ذلك من إجراءات.  تلك الإجراءات كان لها هدف محدد: تحقيق السيطرة الكاملة على القدس، والمسجد الأقصى تحديداً، لهدم المسجد وبناء الهيكل المزعوم.

ومنذ ذلك الحين، يجمع التياران اليميني والديني في الكيان على مركزية فكرة الهيكل، كل من منطلقاته.  وهذا سر الإجماع الحكومي على إجراءات غير مسبوقة، فهمها أهل القدس جيداً: الاستيلاء على الأقصى.

فرض أهل القدس على العدو التراجع عن إجراءاته؛ وما جرى في سفارة العدو في الأردن قدم سلماً للعدو للنزول عن الشجرة، كما يصفه الإعلام العبري.  هذا الانتصار، غير المكتمل، ليس حاسماً، ولكنه ضروري وأساسي، لأنه يثبت أنه بالإمكان كسر إرادة العدو، حتى في ظل إجماع الأحزاب والقوى الصهيونية والتفاف المستوطنين حوله.  هذا الانتصار الجزئي يجب أن يبنى عليه استعداداً للجولة القادمة.

والجولة القادمة، أو المرحلة التالية من المعركة ذاتها بدأت بالفعل، وتعبر عنها الإجراءات الجديدة في باب الأسباط وغيره.  يرى العدو أنه لا يمكن أن يخسر هذه المعركة، لأنه إذا خسرها اليوم فلن تقوم له قائمة في القدس بعد الآن، ولعقود طويلة ربما، وأن أسطورة بناء الهيكل، الذي يظن العديد من الحركات الصهيونية في الكيان والغرب، أنه يجب أن يتحقق في غضون عامين، ستذهب أدراج الرياح.

المطلوب اليوم هو الاستعداد لهذه الجولة، والاستفادة مما جرى في القدس خلال الأسبوعين الماضيين والذي يبدو أنه فاجأ الجميع، بما في ذلك قوى كان من شأنها أن تكون في مقدمة الحدث، والبناء على ما تحقق لغاية الآن.  الاستعداد للمرحلة المقبلة يحتاج إلى مراجعات وإلى بناء استراتيجيات وخطط تضع معركة القدس الفاصلة على رأس الأولويات في هذه المرحلة.

كاتب فلسطيني من لبنان

صحيفة الأخبار  اللبنانية

موقع رأي اليوم

انشر عبر
المزيد