في الذكرى ال69 لنكبة فلسطين..

استئناف رحلة التيه خلف سراب "الدولة" الموهومة

15 أيار 2017 - 12:59 - الإثنين 15 أيار 2017, 00:59:03

وكالة القدس للأنباء - خاص

في الخامس عشر من أيار/مايو من كل عام تعود إلى واجهة الأحداث والاهتمام، ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني، باحتلال أرضه وتشريد الغالبية العظمى من رجاله ونسائه، شيوخه وأطفاله في "أرض الله الواسعة"، القريبة من فلسطين والبعيدة عنها، وبإقامة كيان صهيوني استعماري إجلائي فوق نحو 82 بالمئة من أرض الفلسطينيين التاريخية...

في الخامس عشر من أيار/مايو، تتبارى الفصائل والقوى والحركات الفلسطينية، وتتنافس الجمعيات والهيئات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني، في إطار إصدار البيانات والتصريحات، وإعلان المواقف، وإقامة النشاطات والفعاليات والاحتفالات السياسية والفنية لإحياء هذه الذكرى.

ومع مرور الوقت تحولت الذكرى لدى البعض إلى مناسبة فولكلورية، بخاصة أولئك الذين وقعوا على اتفاقيات أوسلو وألغوا الميثاق الوطني، وأسقطوا الكفاح المسلح، ووسموا المقاومة بالإرهاب، واعترفوا بكيان العدو الغاصب فوق 82 بالمائة من أرض فلسطين التاريخية، وارتضوا بإقامة "دولة فلسطينية" مزعومة موهومة على جزء صغير من فلسطين التاريخية... لم ولن تتحقق بالرغم من كل التنازلات التي قدمتها القيادة النافذة في "منظمة التحرير" و"سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود".

في حين كان يجب، وبالضرورة، أن تشكل هذه الذكرى محطة لمراجعة السياسات والبرامج والمواقف التي اتخذت طوال عام كامل، واستخلاص دروسها وعبرها في ضوء الممارسة العملية والنتائج التي تفرزها، بغية تكريس وتعزيز إيجابياتها والتخلص من سلبياتها، واستكشاف مكامن القوة والضعف لدى العدو الغاصب وذلك خدمة للقضية وحفاظاً على تضحيات الشعب وقواه الحيَّة المقاومة التي ما تزال تقبض على جمر القضية، وتفجر الإنتفاضات وتغرز السكاكين والمخارز والآلات الحادة في صدر العدو، في وقت تتسابق فيه بعض القوى الفلسطينية "الأساسية" النافذة في ماراثون اللهاث خلف سراب المفاوضات العبثية و"الدولة الفلسطينية" الموهومة.

بعد 69 عاماً على النكبة وما رافقها من تطورات وأحداث، شهدت الكثير من حالات المد والجزر، بما فيها من انكسارات وانتصارات، من إضرابات وانتفاضات وتضحيات، من مقاومة مسلحة ومفاوضات.. بعد 69 عاماً على النكبة والصراع المفتوح بين نهجي المقاومة و"التسوية"، يعود السؤال البدهي إلى الواجهة: أين أصبحت القضية الفلسطينية؟..

فلسطين الخاسر الأكبر

تمر ذكرى النكبة هذا العام في ظروف عربية وإقليمية ودولية في غاية الصعوبة والخطورة والتعقيد، ومراحل حرجة جداً، بفعل تلاحق الأحداث والتطورات السياسية، التي لا تزال تلف المنطقة العربية بشبكة معقدة من الحروب العبثية التي دمرت الكثير من الدول، وهجرت الملايين من أبنائها، وتنذر بنتائج مأساوية وكارثية ومستقبل غامض، في ظل صراع دولي وإقليمي لم تتحدد بعد صورته ومعالمه النهائية التي ترسمها موازين القوى والوقائع الميدانية في هذه الساحة أو تلك.

في خضم هذه الأحداث والتطورات الدراماتيكية، والحروب العبثية، كانت القضية الفلسطينية الخاسر الأكبر، في حين كان كيان العدو الصهيوني من أكبر الرابحين والمستفيدين مما يجري في الساحة العربية عامة، وفي سوريا بخاصة.

إذ أن هذه الأحداث التي تفجرت مع نهاية العام 2010 في تونس وتنقلت في غير بلد عربي، واستقرت في سوريا والعراق وليبيا، وحتى اللحظة، قد فعلت فعلها بتهميش القضية الفلسطينية وإبعادها عن مكانها الطبيعي في صدارة اهتمام العالمين العربي والاسلامي... كما أحدثت إنقلاباً وتغييراً في وجهة العداء والصراع من كيان العدو الصهيوني، إلى مواجهة "الإرهاب" والجمهورية الإسلامية الإيرانية، بزعم سعيها لامتلاك السلاح النووي، وتهديد "جيرانها" من دول الخليج العربية... وبالتوازي ساهمت بتسريع خطوات تطبيع العلاقات بين منظومة "دول الاعتدال" العربية والكيان الصهيوني، وشرعت أبواب المنطقة أمام الإدارة الأميركية الجديدة التي تقود المساعي الحثيثة لإقامة "حلف إقليمي" يجمع دول "الاعتدال العربي" وكيان العدو، وإعادة تحريك عجلات عربة المفاوضات بين حكومة تل أبيب وسلطة رام الله...

 

الخطة "الترامبية".. جديدها قديم

لقد ركَّز دونالد ترامب على غرار أسلافه، على ضرورة تقديم كافة أشكال الدعم لضمان تفوق "إسرائيل" ودعمها. وشدد على أن إدارته لن تستمر فقط في تقديم المعونة الأميركية التي لا مثيل لها في دعم "إسرائيل"، بل إنها سوف تبذل قصارى جهدها لتوسيع هذا الدعم وتعزيزه.

أما في ما يتعلق بالصراع الصهيوني الفلسطيني فرأى الرئيس الأميركي "أن حل الدولتين ليس الحل الوحيد للقضية الفلسطينية.. ليس الوحيد لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وانه سيعمل على تحقيق السلام بين "إسرائيل" والفلسطينيين، لكن التوصل لاتفاق سيرجع إلى الطرفين نفسيهما في نهاية المطاف.."

وقال: ستشجع الولايات المتحدة التوصل لاتفاق سلام.. سنعمل على ذلك بجدية شديدة، لكن ينبغي أن يتفاوض الطرفان بنفسيهما على هذا الاتفاق بشكل مباشر.. مشدداً على "أن كلا الجانبين سيكون عليهما تقديم تنازلات كما هو حال كل مفاوضات ناجحة".

وأضاف "إن ادارتنا مستعدة للعمل مع اسرائيل وحلفائنا المشتركين في المنطقة على ضمان الأمن والاستقرار وعلى إبرام اتفاق سلام بين "إسرائيل" والفلسطينيين".

وشدد الرئيس الأميركي على ضرورة أن تشكِّل المفاوضات الثنائية بين الطرفين الفلسطيني و"الإسرائيلي" الأساس لأية تسوية مستقبلية للصراع، مع التأكيد على رفض أي تدخلات خارجية سواء من الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي.

المؤتمر الاقليمي وانقلاب المبادرة العربية

إن دعوة ترامب لمفاوضات مباشرة بين عباس ونتنياهو بدون شروط مسبقة، وبدون وقف الاستيطان وبلا مرجعية دولية ترافقت مع دعوته لعقد "مؤتمر إقليمي" يضم إلى جانب "إسرائيل" والسلطة دولاً عربية مثل مصر والأردن واحتمال انخراط السعودية في أعمال هذا المؤتمر، الذي سبق للرئيس المصري عبدالفتاح السياسي الإشارة إليه في أيلول العام 2015 في حديث صحفي على هامش الدورة ال70 للأمم المتحدة. حينها طالب السيسي بدمج "اسرائيل" في المنطقة وتوسيع السلام معها  ليشمل دولاً عربية أخرى "لمكافحة الإرهاب الذي يهدد الجميع". و"تجديد الجهود من أجل حل القضية الفلسطينية وتمديد فترة السلام مع اسرائيل التي وصلت الى 40 عاماً، وأن تشمل دولاً عربية أكثر".

وقد تستثمر إدارة ترامب المؤتمر الإقليمي لدعوة المشاركين العرب لتطبيع العلاقات مع "اسرائيل" قبل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة، وهو ما ينسجم مع الحراك الأميركي السابق والحالي لاقامة "ناتو" إقليمي، تشارك فيه "اسرائيل" إلى جانب دول الاعتدال العربية، لكنه يقلب العمل بمبادرة السلام العربية، التي نادت بتطبيع العلاقات مقابل الانسحاب "الإسرائيلي" من الأراضي العربية المحتلة عام 67... بحيث يصبح تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" مقابل المظلة والحماية الأميركية العسكرية  والامنية للأنظمة العربية الدائرة بالفلك الأميركي، وفي المقدمة منها دول "الاعتدال" العربية.

وفي هذا السياق كشفت صحيفة المنار المقدسية، أن الإدارة الأميركية قد تستغل الشق العسكري - الأمني في العلاقة مع دول "الاعتدال" للحصول على موافقة عربية، بكل ما تطرح "إسرائيل" من مطالب أمنية، يتعهد هؤلاء الزعماء بالمحافظة عليها وتنفيذها، مع ضمانات واضحة، في شراكة أمنية مدروسة.

ومن ثم، طرح الشق السياسي، من خلال "قلب المبادرة العربية للسلام رأسا على عقب، بأن يصبح بند التطبيع العربي الشامل مع "إسرائيل" في مقدمة بنودها، وشطب حق العودة من خلال خيارات تؤكد هذا الشطب، من بينها مواصلة المملكة السعودية بالتعاون مع قطر والإمارات توطين اللاجئين. كذلك، شطب كل ما يتعلق بعودة الجولان المحتل إلى الدولة السورية الأم، وحل يرضي "إسرائيل" لمسألة القدس، وكيان فلسطيني مرتبط عربياً، لا سيادة له، مع قيود ملزمة، تعزيزاً للأمن الإسرائيلي، تشمل سيطرة فعلية إسرائيلية على منطقة الأغوار".

 

عباس... لقاء نتنياهو في اي مكان وزمان

لم يتأخر رئيس السلطة محمود عباس في إعلان استعداده للقاء رئيس وزراء "إسرائيل" بنيامين نتنياهو تحت رعاية أمريكية "من أجل صنع السلام"، وذلك بعد أيام من لقائه دونالد ترامب.

وشدد عباس، خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الألماني فرانك شتاينماير عقب اجتماعهما في مدينة رام الله في الضفة الغربية (9 أيار)، على الالتزام الفلسطيني بالسلام القائم على العدل وقرارات الشرعية الدولية وفق حل الدولتين ضمن حدود عام 1967... لكنه لم يتطرق لا من قريب ولا من بعيد في تصريحه هذا، لموضوع الاستيطان "الإسرائيلي" الذي يشكل عقبة كأداء أمام استئناف المفاوضات.

إن إمعان عباس على استئناف المفاوضات المباشرة مع حكومة العدو الصهيوني، وإعلان أطراف فلسطينية أخرى موافقتها على الدخول في النفق المظلم لـ"الدولة الفلسطينية" الموهومة، سيقدم للعدو الصهيوني فرصة إضافية بغطاء "فلسطيني" و"عربي" تشجعها على تحقيق مزيد من مشاريع التهويد والاستيطان ونهب ما تبقى من أراضٍ في الضفة المحتلة، واستجلاب آلاف المستوطنين الجدد لينضموا إلى العصابات المسلحة التي تذكر الفلسطينيين بعصابات الهاغاناه وشتيرن، والمجازر التي اقترفوها بدير ياسين وحيفا والقدس وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية، وتعزيز الحصار المضروب على قطاع غزة، وزيادة منسوب العنصرية والفاشية بمواجهة أبناء الداخل الفلسطيني المحتل عام 48. 

إن عودة سلطة رام الله إلى نفق المفاوضات العبثية المظلم الذي لا نهاية له، ودخول أطراف فلسطينية أخرى في نفق "الدولة الفلسطينية" الموهومة من شأنه تسليط الضوء مجدداً على مبادرة "حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين"، التي أطلقها أمينها العام الدكتور رمضان عبدالله شلح، لتخليص القضية الفلسطينية من أوهام: المفاوضات العبثية، "الحل العادل"، و"السلام" مع كيان العدو، و"الدولة الفلسطينية" المزعومة... واستعادة وحدة الأرض والشعب التي مزقتها اتفاقيات اوسلو، وتعزيز نهج المقاومة بكل أشكالها وفي المقدمة منها الكفاح المسلح، لتحرير فلسطين واستعادة كل الحقوق الوطنية المشروعة بدون قيد أو شرط.

انشر عبر
المزيد