العرب المنسيون داخل الخط الأخضر

16 آذار 2017 - 01:56 - الخميس 16 آذار 2017, 13:56:20

برزت قضية «الغائب الحاضر» بعد نكبة عام 1948، فبعد أن سيطر الجيش الصهيوني على أملاك اللاجئين وأرضهم من خلال إصدار ما يسمى قانون الغائبين في 20/3/1950، أصبح الحاضرون في وطنهم وغير القاطنين في قراهم ومدنهم غائبين، وصودرت أملاكهم وأراضيهم، وبلغ عدد هؤلاء في عام 1950 حوالى 46 ألف لاجئ فلسطيني وفق إحصاءات وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، يشكلون نحو 25 في المئة من العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وقد شرّد هؤلاء بفعل ارتكاب العصابات الصهيونية المجازر من 44 قرية فلسطينية في عام 1948، وتركز معظمهم في منطقة الجليل، وأقلية في الوسط الفلسطيني والجنوب، وهؤلاء يعانون ظلماً مركباً، فمن جهة هم جزء من الأقلية العربية داخل الخط الأخضر التي تواجه تمييزاً عنصرياً إسرائيلياً يشكل نموذجاً استثنائياً في التاريخ الإنساني المعاصر، ومن جهة أخرى هم مهجرون يعانون نتيجة عدم العودة إلى قرية أو مدينة الأصل التي طردوا منها.

وتفاقمت قضية اللاجئين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر بفعل الزيادة الطبيعية بينهم وارتفاع عددهم، فمن أصل مجموع الأقلية العربية 1.5 مليون عربي فلسطيني حالياً، ثمة 375 الفاً من اللاجئين في وطنهم وغير قادرين على العودة إلى ديارهم، في وقت صادر الجيش الإسرائيلي المزيد من الأراضي المتبقية بحوزة الفلسطينيين، حيث تمت مصادرة 98 في المئة من الأراضي ولم يتبق بحوزة أصحاب الأرض من العرب الفلسطينيين سوى اثنين في المئة من مساحة الأراضي، على رغم أنهم يشكلون نحو عشرين في المئة من مجموع سكان «إسرائيل».

والغائب الحاضر هو مصطلح يُطلق على العرب الفلسطينيين الذين طردتهم العصابات الصهيونية وأجبرتهم على الفرار من منازلهم قبل وخلال عام 1948، ولكنهم بقوا داخل فلسطين في الأراضي التي أنشئت عليها «إسرائيل» بدعم غربي وبخاصة بريطانيا، ويذكر أيضاً أن هؤلاء الفلسطينيين بالإضافة إلى مصطلح الغائب الحاضر بنازحي الداخل، وهذا المصطلح ينطبق أيضاً على أبنائهم وأحفادهم. وبطبيعة الحال لا يسمح للغائبين الحاضرين بالعيش في منازلهم التي طردوا منها، حتى وإن كانوا يعيشون في المنطقة نفسها وبحوزتهم عقد ملكية يثبت أنهم أصحاب تلك المنازل والأراضي التي طردوا منها، حيث تعتبر إسرائيل منازل وأراضي الحاضرين الغائبين من ممتلكات الغائبين بحجة أنهم تركوها، حتى وإن لم يكونوا ينوون تركها لأكثر من بضعة أيام هرباً من المجازر المرتكبة بحق أهالي قرى ومدن فلسطينية أخرى.

وينتشر المهجرون الفلسطينيون جغرافياً على معظم التجمعات السكانية الفلسطينية داخل الخط الأخضر، فمن بين 69 قرية فلسطينية بقيت قائمة بعد النكبة، فإن 47 قرية استوعبت مهجرين بداخلها إضافة إلى اللد ويافا، كما يشكل المهجرون في عدد من القرى بخاصة في الجليل الغالبية السكانية، إضافة إلى انتشارهم في المدن الفلسطينية الخاصة والمختلطة كالناصرة وحيفا. وثمة عدد قليل من المهجرين قام ببناء تجمعات سكانية خارج نطاق قراهم الأصلية، والمثال الأبرز على ذلك هو قرية عين حوض في قضاء مدينة حيفا على الساحل الفلسطيني، ففيما تحولت البيوت الأصلية للسكان في عين حوض إلى بيوت للفنانين ورجال الأدب في إسرائيل، قام المهجرون من هذه القرية ببناء بيوتهم الجديدة على بعد مئات الأمتار من قريتهم الأصلية، من دون تراخيص لعلمهم المسبق بأن السلطات الإسرائيلية لن تمنحهم إياها. وكذلك الأمر لتجمع «المنصورة» في منطقة المثلث، وتجمعات بدوية في الشمال والجنوب. وعموماً فإن معظم المهجرين موجودون في شمال فلسطين المحتلة، حيث قراهم الأصلية التي هجروا منها، إلا أنه من أصل 162 قرية هجر سكانها كلياً في منطقة الجليل والشمال الفلسطيني فقد بقي مهجرون في 44 قرية، ومنها 11 قرية ممن بقي أغلب سكانها.

وللضغط على اللاجئين داخل الخط الأخضر وغيرهم من الأقلية العربية – العرب المنسيون - سعت إسرائيل إلى إصدار عشرات القوانين الجائرة لمصادرة ما تبقى من أراضي الفلسطينيين، وهدمت إسرائيل منذ عام 1948 وحتى العام 2016 أكثر من 15 ألف منزل للعرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر تحت حجج أمنية ومسميات التطوير في منطقة الجليل وغيرها، وذلك بغية محاصرة الفلسطينيين ودفعهم الى الهجرة.

واللافت أن إسرائيل سيطرت على أراضي وممتلكات المهجرين واللاجئين استناداً إلى قوانين الطوارئ البريطانية الانتدابية، وأنظمة الطوارئ في شأن أملاك الغائبين لعام 1948، وقانون أملاك الغائبين لعام 1950، وقانون استملاك الأراضي لعام 1953، وكان الأخطر نقل صلاحية معالجة قضايا المهجرين من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا إلى الحكومة الإسرائيلية في عام 1952، حيث حققت من وراء هذه الخطوة هدفها الرئيس المتمثل في طمس قضية المهجرين داخل الخط الأخضر، حيث يساهم التدخل الدولي الإنساني في معالجة قضية المهجرين وفي استمرار تداولها في المحافل الدولية، ومن شأن ذلك دفع المهجرين على العودة إلى قراهم التي طردوا منها بقوة المجازر.

وتبعاً للمعاناة المركبة التي يواجهها اللاجئون الفلسطينيون داخل الخط الأخضر، لا بد من العمل المكثف بغية إعادة هذا الملف إلى الأمم المتحدة، وبخاصة إلى الأونروا التي كانت صاحبة الصلاحية قبل عام 1952، وقد يكون ذلك بمثابة خريطة طريق مناسبة لعودة اللاجئين إلى قراهم وديارهم التي اقتلعوا منها في عام 1948 وبعده.

نبيل السهلي / "الحياة"

انشر عبر
المزيد