ما الذي جاء بترامب رئيساً؟

25 شباط 2017 - 09:25 - السبت 25 شباط 2017, 09:25:05

دونالد ترامب
دونالد ترامب

وكالة القدس للأنباء - ترجمة خاصة

مقال بقلم: ديفيد بروكس

العنوان الأصلي للمقال: This Century is Broken (هذا القرن معطوب)

نشر لأول مرة في صحيفة نيويورك تايمز، بتاريخ 22 شباط 2017.

وُلد معظمنا خلال النصف الثاني من القرن العشرين؛ وتصوراتنا حول ما هو "طبيعي" تشكلت في تلك الحقبة، التي كانت، في كل النواحي، فترة سعيدة على نحو غير اعتيادي.  لا حروب عالمية، ولا كساد عظيم، وعدد أقل من الحروب الأهلية، وعدد أقل من الأوبئة.

لكن، يبدو أننا لن نتمتع بفترة كتلك بعد اليوم.  يبدو القرن ال21 أكبر شراً وأكثر تخبطاً، وتشوبه الكثير من الصعوبات: تنامي القومية العرقية، وانخفاض الثقة في الديمقراطية، وتلاشي النظام العالمي.

يعود كل هذا في جزء أساسي منه، ربما، إلى تراجع النمو الاقتصادي.  وحسبما يشير نيكولاس إبرستادت في مقالته المعبّرة "قرننا الحادي والعشرون البائس"، في العدد الحالي من مجلة "التعليق Comment"، فإن نصيب الفرد من الاقتصاد الأمريكي قد نما، بين عامي 1948 و2000، بمعدل يقارب نحو 2.3 في المئة سنوياً.

غير أن شيئاً ما قد طرأ ابتداء من عام 2000.  منذ بداية القرن الحالي، تدنى متوسط معدل النمو للفرد الواحد 1 في المئة سنوياً؛ بل ومنذ عام 2009، بلغ 1.1 في المائة فقط سنوياً.  لو أن الولايات المتحدة تمكنت من الحفاظ على معدلات النمو في فترة ما بعد الحرب في القرن ال20 إلى هذا القرن، لكان نصيب الفرد من الدخل القومي أعلى بأكثر من 20 في المئة مما هو عليه اليوم.

تباطؤ النمر يدفع كل شي آخر إلى الانكماش – هذا يعني فرصاً أقل، وتفاؤلاً أقل، والأهم من ذلك نوعاً من التفكير الصفري، على طريقة (لحّق حالك) الذي يتخصص به ترامب.  التباطؤ دمر العمال الأميركيين.  بين عامي 1985 و2000، ارتفع مجموع ساعات العمل المأجور في الولايات المتحدة بنسبة 35 في المئة.  وعلى مدى السنوات ال 15 التالية، ارتفع بنسبة 4 في المئة فقط.

مقابل كل رجل أميركي من الذين تتراوح أعمارهم بين 25 - 55 ويبحث عن عمل، هناك ثلاثة يتسربون من القوة العاملة.  لو أن الأميركيين بقوا يعملون بنفس ما كانت عليه المعدلات بداية هذا القرن، لكان هناك وظائف إضافية لأكثر من 10 مليون شخص.  وكما يقول إبرستادت: "إن الحقيقة الواضحة هي أن أمريكا في القرن ال21 شهدت انهياراً مروعاً في العمل".

هذا يعني أن هناك جيشاً من الأمريكيين شبه الملتصقين بمجتمعاتهم، يناضلون للمساهمة، وللاعتراف بقدراتهم، وللحصول على كرامتهم.  وفقاً لدراسات تتعلق بساعات الاستخدام التي أصدرها "مكتب إحصاء العمل"، فإن قوى العمل هذه تنفق ما يقرب من 2000 ساعة في مشاهدة بعض الشاشات.  وهو ما يقرب من عدد ساعات العمل التي يتطلبها عمل بدوام كامل.

سبعة وخمسون في المئة من الذكور البيض الذين تسربوا تم اكتشاف أمرهم عبر أحد أشكال التفتيش الحكومي.  ما يقرب من نصف الرجال الذين تسربوا يتناولون مسكنات للألم بشكل يومي.  ووجدت دراسة في ولاية أوهايو، أجريت على مدى فصل واحد (ثلاثة شهور)، أن 11 في المئة من سكان الولاية لديهم وصفات لتناول مواد مخدرة.  واحد من كل ثمانية أمريكيين لديه إدانة بارتكاب جناية في سجله.

هذه ليست طريقة جديرة بالعيش لشعبنا.  ما كتبه إبرستادت يركز على فكرة واحدة: المهمة المركزية بالنسبة لنا ليست مقاومة دونالد ترامب، فهو سيصل في النهاية إلى قدره المحتوم.  علينا أن نفكر كيف نستبدله – كيف نردّ على تباطؤ النمو والسخط الاجتماعي الذي أوصله بمزيج من السياسات المختلفة.

الجزء الصعب هو أنه يتوجب أن تصبح الولايات المتحدة أكثر دينامية وأكثر حماية في الوقت نفسه.  في الماضي، كان المصلحون الأمريكيون يعملون مع مجتمع ديناميكي كان يولّد دوماً الطاقة اللازمة لإيجاد حل للويلات التي تصيب الأمة.  لكن، وكما برهن تايلر كوَين في كتابه الجديد المقنع "الطبقة الراضية عن نفسها"، فإن الأمريكيين المعاصرين قد خسروا سحرهم الأخاذ.

يبرهن كوَين أنه، على كل صعيد، أصبح الأمريكيون أقل ميلاً إلى المغامرة، وأكثر جنوحاً نحو السكون.  على سبيل المثال، كان الأمريكيون يميلون إلى التقاط الفرص وتغيير حيواتهم.  غير أن معدل الأمريكيين الذين يعبرون الحدود بين الولايات انخفض بنسبة 51% عن المستويات التي كانت سائدة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

كان الأمريكيون يحبون المجازفة في المشاريع المالية، غير أن الجيل الحالي لديه انحدار في الميل إلى تأسيس حصة في كل أنشطة العمل.  ربما أمكن القول إن جيل الألفية الجديدة هو الأقل ميلاً للمجازفة في تاريخ الولايات المتحدة.  انخفضت نسبة الأمريكيين دون الثلاثين من العمر الذين لديهم أعمال خاصة بهم 65% عما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي.

يقول الأمريكيون لأنفسهم أن نموذج الوظيفة الواحدة لمدى الحياة قد انتهى.  غير أن الحقيقة هي أن تبديل الوظائف بين الأمريكيين بات أقل مما كان عليه في الماضي.  نسبة إعادة التموضع في العمل – التي تقيس دورة التوظيف – انخفضت بأكثر من الربع منذ تسعينيات القرن الماضي.

هناك دلائل على أن الولايات المتحدة هي اليوم اقل ابتكاراً.  مع أخذ النمو السكاني بعين الاعتبار، يحصل الأمريكيون على براءات اختراع رئيسية عالمية اليوم بما نسبته 25 % أقل مما كانوا عليه في نهاية عام 1999.  بل إن هناك نهماً أقل لسلوك الطرق السريعة.  في عام 1983، كان 69% من الذين بلغوا السابعة عشرة من أعمارهم يملكون رخصاً لقيادة السيارات.  اليوم، فإن نصف الذين وصلوا إلى 18 عاماً فقط يملكون رخصاً.

يصف كل من إبرستادت وكوَين، بطرق مختلفة، بلداً يتباطأ، يتفكك، يفقد الأمل، ويصبح أكثر تعاسة.  التباطؤ الاقتصادي، والسخط الاجتماعي، وخطر الكراهية، هي أمور تعزز بعضها بعضاً.

بالطبع، ليس ثمة مصير محتوم.  لكن أين هي الحركة الاجتماعية التي تفكر في أساسيات البداية السيئة لهذا القرن وتمتلك رؤية لمسار بديل؟  من لديه خطة مقنعة لزيادة النمو الاقتصادي؟  إذا لم يكن ترامب هو الحل، فما هو؟

انشر عبر
المزيد