انحراف في قرن ترامب الجديد

23 كانون الثاني 2017 - 01:11 - الإثنين 23 كانون الثاني 2017, 13:11:17

دونالد ترامب
دونالد ترامب

وكالة القدس للأنباء – ترجمة خاصة

آنا بالاسيو*

أطلق المؤرخ البريطاني الراحل إريك هوبسباوم، تسميته الشهيرة للفترة الممتدة ما بين اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، في عام 1914، وانهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991، "القرن العشرين القصير".  بالنسبة لهوبسباوم، مثلت نهاية الحرب الباردة عهداً جديداً ومتميزاً في الشؤون العالمية.

الآن، وبمنظور إضافي، يجب علينا إعادة النظر في هذا التصنيف.  فعوضاً عن أن تكون استراحة من الماضي، تحوّلت فترة ربع القرن بعد سقوط جدار برلين إلى أن تكون فعلياً استمراراً – بل في الواقع، تتويجاً - لما حدث قبلها.  لكن تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة يمثل قطيعة مع الماضي.  الآن، حان أوان نهاية القرن العشرين المديد.

تماماً مثلما كان عليه الحال في 1914، فإنّه من السابق لأوانه تخمين ما سوف يحدث لاحقاً.  منذ لحظة فوز ترامب في الانتخابات، انتشر تنبؤ شعبي أن العالم سوف يعود إلى مناطق النفوذ، التي ميّزت القرن التاسع عشر، مع لاعبين كبار مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، وبالطبع ألمانيا، حيث تهيمن كل واحدة منها وفق اختصاصها ضمن نظام دولي يزداد بلقنة.

عزز ترامب هذا الرأي بخطاب تنصيبه الصارخ، الذي أكد على "حق جميع الدول بوضع مصالحها الخاصة أولاً".  ولكن، حتى لو كان هذا يعبر عن الكيفية التي ستتصرف وفقها أمريكا في عهد ترامب، فإنه لا يمكن لأحد في عالم اليوم المترابط إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.  وكما أشار الرئيس الصيني شي جين بينغ – الذي هو الآن بطل العولمة الأول - في مؤتمر دافوس هذا العام: "سواء أكنت ترغب في ذلك أم لا، فإن الاقتصاد العالمي هو المحيط الكبير الذي لا يمكنك الهروب منه".

نموذج الرجل القوي المفروض من أعلى إلى أسفل، والذي يبدو أنه في فترة صعود اليوم، لا ينتمي إلى عالم المستقبل، وإنما هو الرمق الأخير من زمن سابق – هو إعادة صياغة الحنين لنموذج عفا عليه الزمن.  لقد تم تفكيك الحكم وتهجينه بسبب صعود الجهات الفاعلة غير الحكومية، وبدأنا بالكاد ننظر إلى الآثار بعيدة المدى للتكنولوجيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي.  وهذه الاتجاهات هي مقدمات لنموذج دولي مختلف جداً لم يبرز بعد – وهو من شأنه أن يكون متميزاً عن "ميزان القوى" الخاص بالقرن التاسع عشر، وكذلك  عن "مجتمع الدول" الخاص بالقرن العشرين.

في عام 1994، اعتقد هوبسباوم بإمكانية "وجود شك جدي أن تشكل أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي انتهاء عصر من تاريخ العالم وابتداء عصر آخر".  لكن، من الواضح الآن أن فترة لاحقة، تمتد بين أوائل التسعينات، توّجت العملية التي بدأت في سراييفو في عام 1914.

بنت تلك العملية، تدريجياً، النظام الدولي الليبرالي؛ أولاً مع محاولة إجهاضها بعد الحرب العالمية الأولى - تجسدت في عصبة الأمم سيئة الطالع - ثم بعد الحرب العالمية الثانية، بتأسيس الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز.  في فترة ما بعد الحرب الباردة، بلغت الزهرة ريعانها بانتشار الديمقراطية والأسواق الحرة في جميع أنحاء العالم.  حمل هذا النموذج المظلة الأخلاقية لنظام الدولة القائم بحسب معاهدة ويستفاليا، عن طريق إنشاء هيكل عالمي تسعى الحكومات الوطنية من خلاله إلى التعاون لتحقيق التقدم.

طوال معظم عقود القرن العشرين، اقتصر تطبيق هذا الإطار على مجموعة أساسية من البلدان؛ ولكن تطبيقه أصبح متاحاً، مع نهاية الحرب الباردة وعلى نحو مفاجىء، للجميع.  ومع ذلك، وعندما أصبح هذا النظام الأخلاقي في وضع يسمح له بالتحقق بشكل كامل في جميع أنحاء العالم، فقد مركزه وبدأ بالانحراف.  الأسواق الحرة والازدهار المادي، التي نظر إليها ذات مرة كوسيلة لغايات أكبر، باتت اليوم غاية في حد ذاتها.  كشفت الأزمة المالية في عام 2008 لا إنسانية هذا النهج، ومهدت الطريق للعرض الذي نشاهده اليوم.

الآن، بات كل هذا من الماضي.  لقد دُفع العالم للخروج من شاطئ النظام القائم على قواعد تأسست على فكرة التقدم العالمي التنويرية.  أما ما ينتظرنا في المستقبل، فقد برزت ثلاثة اتجاهات فورية.  الأول هو إحياء لغة الاستعارة المألوفة حول القومية وجماعات المهاجرين، مثل نذر ترامب أنه "من اليوم فصاعداً، فإنه ستكون هناك أمريكا أولاً فقط"، أو دعوة رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، لانجلترا الصغيرة: "إن كنت تعتقد بأنك مواطن ينتمي إلى العالم، فإنك لن تكون مواطناً في أي مكان".

الاحتمال الثاني، والذي يجسده قادة الاتحاد الأوروبي، هو مواصلة السير على طريق القرن العشرين، ولكن مع مزيد من الانفعالات الخطابية.  الثالث، والذي ربما يضم المعسكر الأكبر، فهو الالتصاق بأرض المركب وفرك اليدين، والتحسر على الطرد من الجنة، والتخوّف من وقوع كارثة تلوح في الأفق.

لا يوجد رد فعل بنّاء بين هذه الاحتمالات.  لا يمكننا العودة إلى عالم الأمس أو الوقوف ببساطة دون حراك، وأيضاً لا نعرف حتى الآن ما يخبئه لنا عالم الغد. عندما لا يعود بإمكان البحارة الاعتماد على الخرائط أو الرسوم البيانية، يجب أن يتلمسوا طريقهم بحاسة البصر، وهذا هو بالضبط حالنا اليوم.  وإلى أن يستعيد العالم اتجاهاته، فإنّه من غير الملائم الانجرار إلى اتجاهات جديدة وجريئة، أو السماح للتيارات بدفعنا نحو مخاطر محتملة.

بدلاً من ذلك، نحن بحاجة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة وملموسة تعالج مشاكل حقيقية ومشخصة في الحكم والسياسة العامة.  قبل أن نتمكن من المضي قدماً في هذا العالم الجديد الشجاع، يجب علينا أولاً إعادة تأسيس فكرة الهدف المشترك – وانتظار انقشاع الضباب.

يحدد تنصيب ترامب بداية حقبة جديدة من تاريخ العالم – قرن "جيوسياسي" جديد.  حتى الآن، لا أحد بإمكانه أن يقول ما إذا كان قرناً سيتميّز بالصراع أو بالانسجام، بالتقدم أو بالتخندق.  لكن، وقبل محاولة رسم مسار جديد إلى الأمام، يتوجب علينا أن نشق طريقنا إلى مياه أكثر هدوءاً.

*آنا بالاسيو، وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة، ونائبة الرئيس السابق للبنك الدولي، وعضو مجلس الدولة الإسباني، وهي محاضرة زائرة في جامعة جورج تاون، وعضو في مجلس الأجندة العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي في الولايات المتحدة.

انشر عبر
المزيد