مؤتمر «فتح» وإهمال القضايا الأساسية

06 كانون الأول 2016 - 01:16 - الثلاثاء 06 كانون الأول 2016, 13:16:26

المؤتمر السابع
المؤتمر السابع

هاني المصري

انتهى المؤتمر السابع لـ"فتح" بأسرع مما كان متوقعًا من دون انفجارات، برغم غضب العديد ممن حُرموا من عضويته على خلفية اعتبارهم «متجنّحين»، كذلك المئات ممن حرموا من العضوية دون وجه حق، فضلاً عن مئات الغاضبين ممن لم يحالفهم الحظ في النجاح. فالمؤتمر عُقد بهذا العدد وبهذه الطريقة للتحكم بنتائجه، إذ كانت غالبية أعضائه من المعينين والموظفين لا من المنتخبين.

يمكن تلخيص نتائج المؤتمر بأنه كرّس «فتح» باعتبارها حزب السلطة (حزب الموظفين)، في حين كان المفترض أن تبدأ منه مسيرة ابتعادها عن السلطة كأحد شروط ومتطلبات تغيير شكل السلطة ووظائفها والتزاماتها، لكي تصبح سلطة أداة من أدوات «منظمة التحرير» بعد إعادة بناء مؤسساتها لتضم مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي التي تؤمن بالمشاركة السياسية. كما كان المؤتمر في الأساس مؤتمرًا لتمديد وتجديد شرعية الرئيس محمود عباس، وضمان بقائه لخمس سنوات قادمة، وإبعاد محمد دحلان ومجموعته خارج «فتح»، على الأقل حتى إشعار آخر.

إذا لخّصنا نتائج المؤتمر بكلمة واحدة فهي «الاستمرارية». فقد بايع المؤتمر الرئيس محمود عباس بالتصفيق وليس بالتصويت، وفي الجلسة الأولى، وذلك خلافًا للأصول التي تقضي بإجراء الانتخابات بعد تقديم كشف الحساب وتقييم الفترة السابقة، وبعد تقديم خطة المرحلة القادمة. وهو ما كرّسه قائدًا أوحد قبل مساءلته والقيادة السابقة عما أنجزوه وما أخفقوا في إنجازه. وقد تبنّى المؤتمر خطاب الرئيس الذي ضُخّمت فيه الإنجازات بصورة لم نعد نعرف معها عن أي بلد يتكلم، وتجاهل الإخفاقات برغم أن القضية الفلسطينية الآن في أسوأ وأخطر المراحل التي مرت بها.

كما جاء خطاب الرئيس صريحًا لناحية التأكيد على استمراره في النهج الذي سار عليه قبل اتفاق أوسلو وبعده، علماً أنه أوصلنا إلى الكارثة التي نعيش فيها، في ظل تعمق الاحتلال وتوسّع الاستيطان، إلى حدّ وصل معه عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى حوالي 800 ألف مستوطن، إضافة إلى تقطّع الأوصال، وتعمّق الانقسام أفقيًا وعموديًا، وازدياد الهوة بين الفقراء والأغنياء، وتفشي الفساد، وارتفاع نسبة البطالة، وتدهور التعليم والصحة والإنتاج الوطني، عدا عن انتهاك الحقوق والحريات، والقضاء على القضاء، وتعطيل المؤسسات، ووضع السلطات كلها في يد شخص واحد.

وقد أكد الرئيس أن العام 2017 سيكون «عام تجسيد الدولة»، من دون أن يقول لنا كيف وما هي خطّته لتحقيق ذلك، متناولًا المقاومة الشعبية السلمية بشيء من الاستخفاف، من خلال تساؤله عن سبب تقاعس الفصائل والقيادات عنها، متجاهلًا أنه رئيس الفصيل الحاكم، إضافة إلى أنه رئيس السلطة والمنظمة والدولة الفلسطينية، وأن مسؤولياته تتضمن وضع السياسات وتوفير الإمكانيات اللازمة لإطلاق مقاومة شعبية فعّالة.

وفي هذا السياق، أظهر الرئيس أن الأولوية الحقيقية لديه هي العمل السياسي والديبلوماسي، من خلال تعهده بالانضمام إلى 520 مؤسسة دولية، من دون التوقف أمام عدم تفعيل عضوية فلسطين في المؤسسات التي انضمت إليها، خصوصًا محكمة الجنايات الدولية. وقد كرّر طرح مسألة الاعتراف بفلسطين كدولة كاملة العضوية على مجلس الأمن، وملاحقة بريطانيا على تقديمها «وعد بلفور»، متناسيًا أن هذه الأهداف لا يمكن أن تتحقق ما لم تكن ضمن تصور وإستراتيجية سياسية ونضالية قادرة على تغيير موازين القوى وجعل الاحتلال مكلفًا لـ"إسرائيل".

كما لم يخبرنا الرئيس عن حصيلة عمل لجنة التواصل مع مختلف مكونات المجتمع "الإسرائيلي"، وما إذا أدت إلى زيادة معسكر السلام والمؤمنين بالحقوق القلسطينية، أم إلى توجه "إسرائيل" أكثر نحو التطرف، لدرجة تلاشي ما كان يطلق عليه «معسكر السلام». علماً أن هذا يعود إلى أسباب عدة، أهمها السياسة الفلسطينية المعتمدة في عهد الرئيس، والتي فتحت شهية "إسرائيل" للحصول على المزيد من التنازلات الفلسطينية.

لا يجب التعويل على الأجواء الإيجابية التي ظهرت بين «فتح» و«حماس» خلال المؤتمر لإحداث خرق في ملف المصالحة لسبب بسيط، وهو أن الرئيس أعاد طرح موقفه السابق المنادي بالاحتكام للانتخابات، على أن يقود الفائز بها حكومة وحدة وطنية. وهذا يعكس عدم جدية وتكرارًا لما سمعناه طوال السنوات السابقة لناحية تجاهل أهمية توحيد المؤسسات، خصوصًا الأمنية، والتوافق على برنامج سياسي وطني وأسس الشراكة السياسية قبل الذهاب للانتخابات.

كان من المتوقع أن يتوقف المؤتمر أمام التردي في العلاقات الفلسطينية مع عدد من الدول العربية المنضوية في إطار ما عُرف بـ «اللجنة الرباعية العربية». إذ لا تكفي الإشادة بدور اللجنة المكلفة بمتابعة مبادرة السلام العربية، وبدعم السعودية والجزائر للسلطة، ولا الدفاع عن القرار المستقل، لأن ذلك لا يعني التخلي عن العرب. طبعًا، ليس من المقبول أن تكون مسألة المطالبة بعودة دحلان ومجموعته محور الاهتمام العربي، فهذا يقزّم الدور العربي ويهبط بدحلان على «فتح» بـ «باراشوت» عربي برغم أنه لا يحمل برنامجًا مختلفًا، وهذا ما كان سببًا في تردي العلاقات الفلسطينية - العربية، وفي الإسراع بعقد مؤتمر «فتح» السابع الذي كرّس إقصاء دحلان.

غير أن قطع الطريق على التدخلات العربية والدولية الضارة أحياناً و"الإسرائيلية" الضارة دائمًا يكون أولًا بإعطاء الأولوية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على أساس برنامج القواسم الوطنية المشتركة، والديموقراطية التوافقية، والشراكة السياسية الحقيقية، تمهيدًا لمواصلة الكفاح من أجل إنهاء الاحتلال وتحقيق الأهداف الفلسطينية. وهو يكون ثانيًا، من خلال وقف خطط عقد المجلس الوطني بالطريقة نفسها التي عقد فيها مؤتمر «فتح»، بحيث تتم هندسة المنظمة على مقاس شخص واحد أو بضعة أشخاص أو حتى على مقاس تنظيم وحيد، من خلال عقد المجلس بمن حضر وتحت حراب الاحتلال، ما يقضي سلفًا على إمكانية مشاركة قيادات كثيرة وأعضاء مجلس وطني في غزة والخارج، خصوصًا ممن ينتمون لـ «حماس» و«الجهاد» والجبهتين «الشعبية» و«الديموقراطية»، إضافة إلى الفصائل المقيمة خارج فلسطين.

 جريدة السفير اللبنانية

 

 

انشر عبر
المزيد