"إسرائيل" لم تعد تحتمل فتات الديمقراطية الذي تعطيه للمواطن العربي

18 تشرين الأول 2016 - 02:42 - الثلاثاء 18 تشرين الأول 2016, 14:42:57

الكنيست الصهيوني
الكنيست الصهيوني

نظير مجلي

بعد تكرار الهجمات السياسية والقضائية والمخابراتية والإعلامية على النواب العرب في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)٬ وعلى أحزابهم الوطنية٬ يسود شعور لديهم٬ بأن من يحكم إسرائيل اليوم٬ هم أولئك القادة الذين لم يعودوا يحتملون وجود الفتات المتبقي من النظام الديمقراطي تجاه المواطنين العرب٬ ويحاولون تصفيته.

فقد تمت مهاجمة «القائمة المشتركة» (التي تضم كل الأحزاب الوطنية العربية)٬ لأنها قررت الامتناع عن المشاركة في جنازة الرئيس الإسرائيلي السابق٬ شيمعون بيريس.

وشارك في هذه الهجمة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو٬ وغالبية الوزراء وأعضاء الكنيست من الائتلاف والمعارضة ومن وسائل الإعلام٬ إلى درجة أن سمح المراسل العسكري للقناة الثانية للتلفزيون٬ روني دنئيل٬ لنفسه٬ أن يقول لرئيس القائمة٬ أيمن عودة: «ضيعتم فرصة لتثبتوا لنا أنكم بنو آدم». وأعطى نتنياهو تعليماته لرئيس كتل الائتلاف٬ بأن يبحث إمكانية مقاطعة النواب العرب والانسحاب من الجلسات لدى إلقائهم خطابات.

وتعرض حزب التجمع الوطني٬ الممثل بالنواب الثلاثة: د. جمال زحالقة وحنين زعبي ود. باسل غطاس٬ إلى حملة اعتقالات واسعة ضمت رئيس الحزب٬ عوض عبد الفتاح٬ و38 شخصية بارزة أخرى٬ بينها أعضاء مكتب سياسي ونشطاء ومحاسبون٬ وذلك بتهمة «إدخال مبالغ طائلة من الخارج بشكل مخالف لقانون تمويل الأحزاب٬ ومحاولة تبييض هذه الأموال بواسطة إصدار مئات الإيصالات المزيفة التي تظهرها تبرعات مشروعة من مواطنين».

وكانت الحركة الإسلامية ­ الشق الشمالي٬ قد تعرضت إلى حملة شبيهة٬ وجرى اعتقال رئيسها الشيخ رائد صلاح٬ وإصدار أمر عسكري بإخراجها عن القانون٬ وإغلاق مؤسساتها الخيرية والتعليمية.

وبشكل عام٬ يتعرض النواب العرب وأحزابهم٬ إلى تحريض عنصري لدى إطلاق أي منهم أي تصريح لا تستسيغه الأذن الإسرائيلية اليمينية٬ ولدى قيامهم بأي عمل احتجاجي. وعندما تعتدي الشرطة على متظاهرين منهم٬ يلقى الأمر تهادًنا من السياسيين وتبريًرا دائًما للاعتداء.

المواطنون العرب في إسرائيل (فلسطينيو 48(٬ من جانبهم٬ يعترضون هم أيًضا على بعض مواقف نوابهم في الكنيست٬ مثلاً٬ قال 69 في المائة منهم٬ في استطلاع للرأي٬ إن هؤلاء النواب أخطأوا بمقاطعتهم جنازة بيريس٬ وفقط 18 في المائة أيدوا المقاطعة. وفي كثير من الأحيان٬ ينتقدون تصريحات وممارسات من شأنها أن تنفر اليهود من العرب وتجعلهم موحدين ضدهم. ومع ذلك٬ تثير الهجمة الحكومية المنظمة القلق في صفوفهم٬ وتزيد مخاوفهم من سياسة الحكومة٬ وتبقيهم ملتفين حول أعضاء الكنيست.

ويقول النائب أيمن عودة٬ رئيس «القائمة المشتركة»٬ إن «جوهر سياسة اليمين الحاكم٬ هو نزع شرعية المواطنين العرب وقيادتهم السياسية٬ كي لا يؤثروا في الحياة السياسية في البلاد. إنهم لا يطيقون رؤية العرب يطلقون خطاًبا سياسًيا مقنًعا للمواطنين اليهود٬ لأنهم لا يريدون أن يكون هناك قاسم مشترك للعرب واليهود في معالجة قضايا الدولة الحيوية والجوهرية٬ مثل قضية السلام والمساواة والديمقراطية. لذلك نراهم يديرون علينا حرًبا شعواء وهستيرية. ولا يخجل رئيس الحكومة من أن يدير هذه المعركة ضدنا بنفسه».

ويقول النائب أحمد الطيبي٬ رئيس الحركة العربية للتغيير٬ إن «تصرفات نتنياهو تشير إلى عقلية إجرامية تجاه المواطنين العرب وقيادتهم. فتحريضه دموي وممارساته تعسفية وخططه السياسية مدمرة. ولكن يغيظه أننا لا نرضخ لسياسته وإرهابه٬ فيحاول ضعضعة مكانتنا القانونية».

ويقول عوض عبد الفتاح٬ رئيس التجمع: «منذ عقود تعيش إسرائيل٬ وعبر ائتلافها الحاكم٬ هاجس الخوف من النمو السكاني للمواطنين الفلسطينيين. وفي العقدين الأخيرين٬ تحّول الهاجس إلى خوف من تصاعد مكانتهم السياسية وحضورهم في الساحة الدولية. وهذا ما تنشغل إسرائيل فيه علًنا٬ وعلى عكس ما كان عليه الأمر في حقبة سابقة٬ حين تحّول الهاجس إلى خوف من تصاعد مكانتهم السياسية وحضورهم في الساحة الدولية. وهذا ما تنشغل إسرائيل فيه علًنا٬ وعلى عكس ما كان عليه الأمر في حقبة سابقة٬ حين اعتمدت إسرائيل الدهاء والخبث في ممارسة الاستعمار والقمع٬ فإنهاُتبلور أخيًرا٬ استراتجّيه جديدة في التعامل مع (الأقلية الفلسطينية)٬ وتشمل ركيزتين؛ الأولى: نهج الاحتواء عبر الإعلان عن ضخ ميزانيات كبيرة نسبًيا إلى المجتمع العربي٬ ليس بهدف خلق (اقتصاد منتج)٬ بل للتجاوب مع شروط منظمة OECD التي ربطت استمرار عضوية إسرائيل فيها برفع مستوى دخل الفرد٬ وهذا يتم فقط عبر تحسين الوضع الاقتصادي للمواطنين العرب. والركيزة الثانية: العصا٬ أي القمع المباشر٬ عبر تصعيد ملاحقة الحركات السياسية وحظر بعضها٬ والتضييق على بعضها الآخر٬ وشن حملات تحريضية منهجية ودموية بهدف إزالة بعضها كلًيا من المشهد السياسي٬ وإضعاف حركات أخرى من خلال تخويف الناس وإبعادهم عنها.

طبًعا هذا القمع يترافق مع تصعيد ومواصلة سّن القوانين العنصرية السافرة التي تقّيد حرية التعبير والعمل السياسي٬ وتجريمه. إنها معادلة جديدة قديمة تسعى إسرائيل إلى تمريرها مستغلة ظروف المنطقة وظروف الساحة الفلسطينية الكارثية. هذه المعادلة هي معادلة مقايضة الحقوق الوطنية بحقوق مدنية (ميزانيات للتعليم وللبنى التحتية)٬ وتوسيع جزئي لمسطحات القرى والمدن وغيرها٬ أي نزع الهوية الوطنية والطابع الوطني عن نضالنا كمجموعة قومية أصلانية.

لا يجب الاستخفاف بآثار هذه السياسة على المواطنين العرب٬ وعلى شرائح في أوساط الهيئات القيادية وممثلي الجمهور العربي. وتتجلى هذه الآثار السلبية في الانسياق وراء الدعاية الإسرائيلية الخبيثة والترهيبية٬ وخروج أصوات من بين ظهرانينا تدعو إلى (التعقل) وإلى عدم إغضاب الحكم الإسرائيلي٬ وإلى خفت الصوت٬ أو إخفائه٬ (وهو الصوت) الذي يشدد على الهوية الوطنية والموقف السياسي الصلب في مواجهة مخططات التدجين والأسرلة٬ وسياسيات الحروب العدوانية ضد شعبنا الفلسطيني.

لقد تمكن المواطنون العرب عبر العقود الثلاثة٬ من إعادة تأكيد أنهم مجموعة قومية لها جذورها التاريخية في الأرض٬ وفرضوا أنفسهم على ساحة الصراع الوطني. ولهذا تتعرض قيادات وممثلو الجمهور الفلسطيني في إسرائيل إلى ضغط هائل٬ معنوي٬ من قبل المؤسسة الإسرائيلية وائتلافها الحاكم. إّن اتهامهم بالتطرف وعدم التسليم بيهودية الدولة (أي بالامتيازات اليهودية حتى لو تمت تسوية مع السلطة الفلسطينية)٬ ودعم (الإرهاب الفلسطيني)٬ يتصاعد٬ ويترافق مع تهديدات بنزع الشرعية عن وجودهم وعن نضالهم السياسي٬ بل بتهديدات دموية٬ هذا فضلاً عن التلويح بالطرد أو الترانسفير الذي بات خطاًبا شرعًيا في إسرائيل».

المصدر: الشرق الأوسط 

انشر عبر
المزيد