زياد دويري والفيلم «الإسرائيلي»… لئلا تبقى الجريمة بلا عقاب!

15 آب 2016 - 11:10 - الإثنين 15 آب 2016, 11:10:15

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

بيار أبي صعب

بين عامي 2010 و2011، أقام زياد دويري في «إسرائيل» 11 شهراً لتصوير فيلمه «الصدمة» مع ممثلين "إسرائيليين" ومنتج منفذ "إسرائيلي". لقد خالف بذلك القانون اللبناني أساساً، فاتحاً في لبنان ثغرة خطيرة على طريق التطبيع مع العدو "الإسرائيلي". برر لفعلته بحجج واهية تختبئ خلف «حرية الفنان» تارةً، وضرورة «فهم الآخر» طوراً، ناهيك بالذرائع التقنية المختلفة، أو بالخطاب «الوطني» الذي يدعي «الدفاع عن القضية الفلسطينية»، ويبلغ ذروة العبث والسريالية!

فيلم زياد دويري «الصدمة»، المأخوذ عن رواية مهزوزة للجزائري ياسمينة خضرا، يخفي خلف قالب تقني متقن، وعيا مشوشا، وخطابا مشبوهاً بطريقة مقاربته النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال. انّه انحياز خبيث، انتاجاً وابداعاً، الى العدو الاسرائيلي وسرديّته المهيمنة. كما يسلط المخرج نظرة دونية الى القاتل الاسرائيلي الذي يظهره الفيلم (مثل الرواية) في صورة حضارية، وفي موقع الضحية (طبعاً). ضحية الهمجية والارهاب الاعمى! تمكن مراجعة الملف العقلاني، الهادئ، الموثق، الذي كرسناه في جريدة «الأخبار» للقضية. ملف، قائم على النقد والسجال والحجة والبرهان، وكذلك على التوثيق الدقيق (بجهد حملة المقاطعة آنذاك التي رصد مناضلوها كل ما قاله دويري للإعلام، علماً ان الاخير استثمر منع فيلمه في لبنان، والحملة ضدّه في بلده، ليلعب دور البطل والشهيد أمام الصحافة الاميركية والسعودية والاسرائيلية والفرنسية...). وكل مقالات الملف تترفع عن التجريح أو الاساءة الشخصية والتخوين المباشر، رغم خطورة ما ارتكبه الرجل الذي يريد هوليوود بأي ثمن. وما ارتكبه ليس بعيداً عن فعل «الخيانة الوطنية».

أصبح الآن بوسعي أن أكتب هذه العبارة التي تفاديتها العام 2013، بعدما مرّت أهوال «الربيع العربي» المجهض من هنا، وأنست بعضنا من هي إسرائيل. وبعدما تراكمت - في موطن الأرز وجمهورية السياديين - الظواهر والمبادرات التطبيعية الخجولة أو الجبانة، الفاجرة أو المختبئة... لتصبح حالة ينبغي التصدي لها ومعالجتها بأسرع وقت، وبكل الوسائل.

أصبح الآن بوسعي أن أكتب عبارة «الخيانة الوطنيّة»، بعدما جلست حنين غدار، مساء الخميس 11 أغسطس، بتوقيتنا، في «الواشنطن إنستيتيوت» جنباً إلى جنب مع الخبير العسكري الاسرائيلي نداف بولاك، ليشرّحا أمام الخبراء واصحاب القرار في أميركا واسرائيل، اداء حزب الله في سوريا.

أصبح الان بوسعي أن أكتب عبارة «الخيانة الوطنيّة»، بعدما عاد دويري إلى بيروت، كأن شيئاً لم يكن، لتصوير فيلم جديد. عاد براحة ضمير، معتبراً انه لم يرتكب أي جريمة حين ذهب إلى الكيان الغاصب، ودفع الضرائب هناك، وقام بأنسنة قاتلنا، وصنع فيلماً كاملاً لتقديم «إسرائيل» بصفتها وجهة نظر.

عاد اليوم بثقةِ «صاحب الحق»، ليشتم بوقاحة وسطحية واختزالية، منتقديه قبل 3 سنوات، هؤلاء الذين صفحوا عنه في النهاية واعتبروا أن ما قالوه وكتبوه للتاريخ، كان كافياً للتذكير بالمبادئ والشهادة للحق، ووضع القضية في اطارها الصحيح. عاد دويري لينكأ الجراح ويذكرنا أننا كنا طيبين وهادئين أكثر من اللزوم، وتسوويين أكثر من اللزوم. يشعر دويري أن جريمته امّحت، وضاعت في المعمعة... فيستأنف دور «البطل»، ويضم نفسه إلى قافلة «العظماء» التي يرأسها أمين معلوف. يعني الزلمة تطبيعي مع سبق الإصرار، ومن دون أدنى ندم أو مراجعة! وهو يملك الجرأة على استعادة النقاش اليوم بصفاقة، ليفرغه من محتواه، ليسخّّفه.

مشهد من فيلم «الصدمة»

يصرّ على انه الضحية وأن منتقديه طفيليون يعتاشون على عبقريّته! يفعل ذلك بالتواطؤ مع صحافي بات موقفه ودوره معروفين في الترويج للتطبيع الثقافي والتبرير له، فإما أن نترك هذا «الزميل» يسيد ويميد على هواه، أو ننتقده مسلطين الضوء على خطورة خطابه، وخطورة ادائه، فنكون طبعاً فاشيستاً و«رقباء» على الفكر، وأعداء لحرية التعبير...

لعلنا نستحق أيها الرفاق أكثر من ذلك. لعلنا - إذا تمادينا في الصمت - سنشهد في المستقبل القريب ما هو ألعن من ذلك! لعلّ دويري «محق» من وجهة نظره، فهناك صحف ومؤسسات وشخصيات تتعاطى معه كـ «بطل قومي»! هذا ما يحدث حين تُترك الجريمة بلا عقاب...

أفكر اليوم أننا جميعاً - أفراداً وجمعيات وأحزاباً وقوى سياسية وشخصيات ثقافية واعلامية وسياسية، وأجهزة أمنية وقضاءً - ارتكبنا خطأ فظيعاً عندما غضّينا الطرف منذ العام 2012، عن جريمة زياد دويري، واكتفينا بتسجيل موقف مبدئي، لأن «التخوين» ليس من ثقافتنا وأخلاقنا، ولأنه - في النهاية - أحد ألمع مخرجي جيله لبنانيا وعربياً. ولأننا راهنّا على كونه سيحسّ على دمه بعد الهيصة والاحتفاء الأممي به من لوس انجلوس إلى تل أبيب مروراً بالقدس المحتلة، وسيطوي سريعاً تلك الصفحة الملطخة بالدماء، ويعود إلى نفسه وتاريخ بيته. لقد قبلنا أن يفلت من المحاسبة القانونية والسياسية والشعبية التي تفرض نفسها في مواجهة سابقة فريدة من نوعها في الفن اللبناني.

أعرف أن المسألة دقيقة وحساسة، خصوصاً لمن جعل مثلي من حرية التعبير والحريات الفردية، معركته المرجعيّة. لكن الصمت لم يعد مسموحاً. أعرف أن المسألة معقدة، في منطقة على كف عفريت، في بلد هش تشوش فيه الوعي وضاعت المعايير وكثرت «وجهات النظر»، وباعت النخب ضمائرها في سوق النخاسة، وبات كل شيء جائزاً وممكناً... لكن التمادي في الصمت سيفسّر تواطؤاً أو عجزاً، وشراكة في الجريمة. جريمة لم يمر عليها الزمن، ولم تسقط بالتقادم، كما يظن زياد دويري ومحاوره.

النقاشات التي دارت حول الفيلم آنذاك في بيروت، وادانة التصوير في اسرائيل، ومنع الفيلم الاسرائيلي، ليست إلا «مهاترات» إذاً؟ هكذا يريد لها شاهد الزور أن تدخل التاريخ، لاغياً - هو «الديمقراطي» الغيور على الحريات - كل الجهود والافكار والمواقف التي تمثل «وجهة النظر الأخرى» يا سيدي، بلاش نقول الموقف الوطني البديهي!

أدعو بشدّة إلى اعادة فتح ملف «الصدمة». إذا كنا نحرص على عدم تكرار تلك الجريمة، لا يجوز أن نتركها بلا حساب. كيف نستقبل فيلم دويري الجديد «الشتيمة» الذي يخالجني شعور انه استكمال لمشروعه السياسي المقلق (وبين «نجومه» على ما يبدو سمير جعجع شخصياًً، والانتاج لجولي غاييه رفيقة درب الرئيس هولاند ما غيرو، وشركة «حزقيال» وأنطون الصحناوي)؟ كيف نتركه يعرضه في لبنان، ما دام لم يعترف، أمام الرأي العام، بجريمته الوطنية، وما دام لم يحذف الفيلم الاسرائيلي عن قائمة أعماله؟!

المصدر: الأخبار

انشر عبر
المزيد