فتِّش عن "الكنيست الأمريكي"

20 آذار 2015 - 01:38 - الجمعة 20 آذار 2015, 13:38:21

الكنيست الإسرائيلي
الكنيست الإسرائيلي

تتالت على المنطقة العربية أحداث تفضي كلها إلى استنتاج واحد تقريباً. ومن هذه الأحداث الانتخابات "الإسرائيلية" التي وضعت تحالف صقور السياسة "الإسرائيلية"، بزعامة بنيامين نتنياهو، مجدداً على الطريق إلى الحكم. رافق هذه الأحداث التصريحات العدوانية الصاخبة وفي مقدمتها إعلان نتنياهو أنه لا يوافق على قيام دولة فلسطينية. إن "نتنياهو كذاب كبير"، كما وصفه مرة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في حديث مع باراك أوباما (الإيكونومست 13-03-2015). وهو كان كذاباً عندما قال إنه يوافق على قيام دولة فلسطينية ثم تراجع عن هذا الموقف. وقد يكذب مرة أخرى فيتراجع عن التراجع ويقول إنه مع قيام الدولة الفلسطينية.

الخلق الوضيع الذي يتسم به نتنياهو هو ليس سراً من أسرار السياسة "الإسرائيلية"، بل هو أمر شائع ومعروف. ففي رأي دان مريدور الذي تسلم منصب نائب رئيس الوزراء وأسند إليه منصب وزير المال مراراً في حكومات اليمين "الإسرائيلي"، وفي حكومة نتنياهو خلال النصف الثاني من التسعينيات، صرح قائلاً: ان بنيامين نتنياهو ليس كذاباً فحسب، بل إنه "بهدل وشرشح الكذب". ثم إن الفضائح التي لاحقته خلال التسعينيات لم تجعله يغادر الحكم فحسب، بل جعلته يعلن مغادرته حقل السياسة كلياً. ولكن، كما توقع "إسرائيليون"، سرعان ما عاد نتنياهو إلى السياسة بعد أن نسي "الإسرائيليون" فضائحه .

كيف عاد إلى الحكم؟ فتش عن "الكنيست الأمريكي" . لقد استقبله الكونغرس الأمريكي استقبال الفاتحين والأبطال الذين يدافعون عن القيم الأمريكية والحضارية. وصفق له الكونغرس الأمريكي وقوفاً ما لا يقل عن الثلاثين مرة في تظاهرة حماسية قل أن شهدها أكثر البرلمانات بدائية وتعصباً.

أهان الرجل الوضيع رئيس الدولة الأمريكية باراك أوباما الذي أعاد إليها بعض ما خسرته في المحافل الدولية بعد حرب العراق، ولعب دوراً مهماً في احتواء الأزمة المالية العالمية، وقدم للأمريكيين واحداً من أهم المنجزات متمثلاً في الضمان الصحي. أهان نتنياهو الرئيس الأمريكي أوباما فكانت هذه الإهانة سبباً من أسباب ترحيب الكونغرس به، بدلاً من أن تكون سبباً في سحب الدعوة منه.

الاستقبال الذي لقيه نتنياهو من قبل الكونغرس وسط الحملة الانتخابية "الإسرائيلية" هو، في رأي المتابعين للانتخابات "الإسرائيلية"، سبب رئيسي من الأسباب التي مكنته من العودة على رأس أكبر تجمع حزبي في الكنيست. فالمعروف أن نسبة عالية من الناخبين "الإسرائيليين"، يعتبرون أن أهم ميزة عند المرشحين تتمثل في قدرتهم على الحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن. وأخذاً في الاعتبار مدى التدهور بين إدارة أوباما، من جهة، وحكومة نتنياهو من جهة أخرى، كان من المفروض أن يستفيد التكتل المعارض بزعامة هيرتسوغ من هذا الحال وأن يستقطب الأغلبية الساحقة من الذين يحرصون على حسن العلاقة بين "إسرائيل" وواشنطن. هذا لم يحصل لأن "الكنيست الأمريكي" أمن التغطية الأمريكية لنتنياهو وأفسح المجال أمام الاعتقاد بأن أزمة "إسرائيل" هي مع باراك أوباما وليست مع الولايات المتحدة الأمريكية.

إن "الكنيست" الأمريكي معلم مهم من معالم السياسية الأمريكية، ولكن ليس هناك ما يؤكد أنها ظاهرة أبدية. وترتبط هذه الظاهرة، إلى حد بعيد، بأجواء الآرابوفوبيا المتغلغلة في الحزب الجمهوري الأمريكي وبالنفوذ الصهيوني داخل هذا الحزب. ولكنها لا ترتبط بدقة بمجموع الأمريكيين.

فالمنظمات الصهيونية الأمريكية لا ترتاح إلى إدارة أوباما، ولكن هذا الموقف لا يطبع الاتجاه العام بين اليهود الأمريكيين. فعلى العكس من ذلك تبلغ نسبة اليهود الذين يقترعون إلى جانب الحزب الديمقراطي نحو 70% منهم. ولو كان هؤلاء منحازين فعلاً إلى جانب الصهيونية و"إسرائيل"، مثلما هو "الكنيست" الأمريكي، لكان من الطبيعي أن تكون هذه النسبة في صف الجمهوريين وليس الديمقراطيين. من هنا كان علينا أن نفتش عن سبب آخر لاستهتار الكونغرس الأمريكي المتنامي والمتفاقم تجاه المصالح العربية ولإشهار عدائه للعرب، بشتى الوسائل والأساليب.

علينا أن نفتش عن سر "الكنيست الأمريكي في الأوضاع العربية نفسها وليس في الأحوال الأمريكية أو "الإسرائيلية". إن العرب يعانون انقسام حكوماتهم، والانسداد في أوضاعهم العامة وتشتت مجتمعاتهم المدنية وتآكل منظماتهم الأهلية وانكفاء أهل الرأي بينهم. ولا ينقص العرب الكم البشري ولا الامتداد الجغرافي ولا الثروة الطبيعية أو المادية، وللعرب ثروة لا تقدر - حتى ولو أنكر أهميتها بعض المصابين بالآرابوفوبيا- تتمثل هذه الثروة في التراث الحضاري العظيم الذي يبدأ من فجر التاريخ. ومهما امتلك "داعش" من أدوات التخريب والهدم والقتل فإنها لن تتمكن من القضاء على مظاهر هذا التراث وعلى معانيه.

ولا ينقص العرب الاندفاع وروح الشهامة والوطنية. ما ينقص العرب اليوم هو حسن التدبير والقدرة على استثمار طاقاتهم البشرية والمادية استثماراً جيداً. إن امتلاك ولو النزر اليسير من هذه الخصال سوف يمكنهم من التغلب على أكاذيب نتنياهو وشهوات المستوطنين "الإسرائيليين" إلى السرقة والنهب والاستيلاء على أملاك الفلسطينيين وثروات العرب الطبيعية. وبامتلاك المقدار الطبيعي من حسن التدبير والغيرة على المصالح العامة، تستطيع الدول العربية أن تفرض على الجيران، كل الجيران، الالتزام بمبادئ حسن الجوار، والامتناع عن مد اليد إلى الأراضي العربية، والعبث بمقدراتها والتكسب عبر إثارة الانقسامات وتأجيج الصراعات الدينية والمذهبية فيها إذا وجدواً سبيلاً إلى السير على هذا الطريق.

تستعد الدول العربية لعقد مؤتمر قمة عربي قد يكون من أخطر المؤتمرات التي انعقدت خلال العقدين المنصرمين. ولسوف تكون الأولوية في هذا المؤتمر، لأسباب بديهية، لمسألة الأمن الإقليمي العربي. على هذا الصعيد تستحق التوصية التي أقرها مؤتمر وزراء الخارجية العرب بصدد تفعيل مجلس الدفاع العربي المشترك اهتمام القادة العرب وتأييدهم. وما حدث في تونس أول أمس يحث القادة العرب على الذهاب إلى أبعد من ذلك، أي إلى الاتفاق على برنامج زمني لعملية التفعيل هذه على أن يتضمن البرنامج تأسيس قوات عربية مشتركة خلال فترة قصيرة زمنياً، فضلاً عن السير على طريق التنسيق بين الجيوش العربية كما فعلت الحكومات العربية قبل حرب أكتوبر.

على مدى جدية المسألة الأمنية فإننا نأمل أن تنظر القمة أيضاً في مسألة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وأن تعطيها ما تستحقه من الاهتمام. فإغلاق أبواب المنطقة أمام المعتدين يتطلب فتح أبواب مجتمعاتها ودولها أمام التجارة البينية العربية، وتعاون اقتصادي متين يستفيد منه الجميع. إلى جانب ذلك، سوف تكون هناك حاجة ملحة إلى إدخال الإصلاح السياسي على دول المنطقة والاسراع في تطبيقه حتى تكتمل دائرة تحصين المنطقة في وجه موجات التدمير البربري. إذا فعلنا ذلك، نكون قد ساعدنا الأصدقاء الأمريكيين على الخلاص من الكنيست الأمريكي، وهو ما يؤجج العداء المتبادل بين العرب والأمريكيين، وعلى استبداله بالكونغرس الأمريكي المؤهل لإقامة علاقات سوية بين الطرفين!

المصدر: صحيفة الخليج الاماراتية

انشر عبر
المزيد