من النقب الى الأغوار: الاستيطان واحد والعدو واحد

23 آذار 2021 - 06:14 - الثلاثاء 23 آذار 2021, 18:14:18

النقب الى الأغوار
النقب الى الأغوار

بقلم: راغدة عسيران

لم يتوقف الغزاة الصهاينة يوما، منذ العام 1948، من ملاحقة وطرد أهل النقب المحتل. لقد هجرّ المستوطنون الآلاف من العائلات البدوية الى الأردن ومصر والأراضي الفلسطينية الأخرى، خلال النكبة وبعدها. فيما قُدر عدد الفلسطينيين في منطقة النقب في العام 1946 ما بين 75.000 و90.000 ينتمون الى 95 قبيلة، لم يبق منهم إلا 11 ألف نسمة، و19 قبيلة في العام 1950، تم زجّهم في منطقة شمال النقب (السياج)، بعيدا عن أملاكهم، وفرض العدو عليهم، كما فرض على معظم المدن والمناطق المحتلة عام 1948 ذات الأغلبية الفلسطينية، الحكم العسكري حتى العام 1966، ليتمكن من سرقة الأرض والأوقاف وأملاك اللاجئين ومن التحكمّ بالفلسطينيين ومراقبتهم.

بعد احتلال الضفة الغربية في يونيو/حزيران 1967، طبّق الصهاينة خطتهم لطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، وكانت "منطقة الأغوار الأكثر منهجية وتعمدا" (أحمد حنيطي). بلغ عدد السكان، قبل الحرب، من عين جدي جنوبا الى بيسان شمالا، نحو 320.000 نسمة. ويعيش الآن في هذه المنطقة ما يقارب 65.000 فلسسطيني فقط، بعد تدمير مخيمات اللجوء في أريحا وطرد ساكنيها، وطرد عشرات الآلاف من القرى، وقد دمّر الكثير منها (30 قرية وخربة).

شرع الاحتلال بإقامة المستوطنات اليهودية على أراضي الأغوار، وجعل منها أو محميات طبيعية يمنع الفلسطينيين من الدخول اليها، أو مناطق عسكرية مغلقة، لإبعاد الفلسطينيين عنها وتسيهل الاستيلاء عليها وتحويلها الى مستوطنات عند الحاجة. ومنذ تلك الفترة، يسعى العدو الى ضمّ الأغوار الفلسطينية الى الأراضي التي احتلها عام 1948، لأسباب أمنية، وتوسيع مجال سيطرته واستغلال مواردها.

ما يجمع بين الأغوار والنقب، هو أن المنطقتين تقعان على الأطراف من فلسطين، وأراضيها شاسعة وخصبة، اذ تشكّل منطقة النقب ما يقارب ثلث مساحة الكيان الصهيوني، وتشكل منطقة الأغوار ربع مساحة الضفة الغربية، أي ما يقارب 720 ألف دونم. وتختزن فيها المياه والمعادن، والكثافة السكانية غير مرتفعة نسبيا، أي أنه، بالنسبة للصهاينة، يسهل ضبط السكان، تجميعهم لحين وثم تهجيرهم عند الحاجة، خاصة وأنهم من أصول بدوية (خاصة في النقب).

في المنطقتين، يحرم العدو الفلسطينيين من الاستفادة من المياه التي سرقها ومن شبكات الكهرباء التي يمدها فوق رؤوس الناس وقراهم وتجمعاتهم، كما يحرمهم من المدارس والعيادات الطبية، ويحاول محاصرتهم، إما بمستوطناته وطرقه، إما بإقامة حواجز الموت، كما هو الحال في منطقة الأغوار، حيث يمنع أو يضيّق على أهل الضفة الغربية من التواصل مع أبناء وطنهم وبلدهم. وكانت منطقة النقب، لفترة طويلة، معزولة عن باقي الأراضي المحتلة عام 1948، بسبب الحكم العسكري وتهميشها.

ساءت الأوضاع بالنسبة للفلسطينيين في المنطقتين وغيرها، بعد اتفاقيات أوسلو في العام 1993، بشرعنة وجود الكيان الصهيوني على الأرض المحتلة عام 48، واعتبار الفلسطينيين "مواطنين إسرائيليين"، بما فيهم أهل النقب. وفي منطقة الأغوار، تم تسليم الجزء الكبير منه (أكثر من 88%) الى الكيان باعتباره يقع في المنطقة المصنفة "جيم"، أي تحت سيطرة كيان الاحتلال الأمنية والإدارية، ما مكّن العدو من إحكام سيطرته على الفلسطينيين وقراهم وتجمعاتهم، بمنعهم البناء والتنقل.

رغم شمولية مشاريع الاستيطان في كل المناطق الفلسطينية، من الجليل الى الخليل، مرورا بالقدس والمثلث، ركّز العدو على تهجير من بقي على أراضيه وفي قراه، في منطقتي النقب والأغوار، لأسباب تتعلق بالديموغرافيا، حيث يعتبر أن التجمعات البدوية في الضفة الغربية، ومعظمها لاجئة، وفي النقب، قابلة للتهجير كونها تعيش حياة غير مستقرة، كما تتصوّرها العنصرية الصهيونية. فهو يريد هذه المناطق خالية من الفلسطينيين، ويمارس بشكل علني التطهير العرقي فيها واعتبر، بحكم وجود الجماعات البدوية التي يعتبرها قابلة للترحيل والتهجير، أنه من السهل تنفيذ جريمته.

منذ عشرات السنين، يطارد العدو أهل النقب والتجمعات البدوية في الأغوار، ويقتل مواشيها ويسمّم مزروعاتها برشها بمواد سامة قبل حصادها، ويقتلع الأشجار المثمرة، ويهدم المنازل، وإن كانت مصنوعة من الصفيح، لمنع استقرارها ومواصلة حياتها. بالنسبة للمستوطنين الصهاينة، يشكل نمط حياة البدو، بحد ذاته، تهديدا لمشاريعهم التهويدية، إذ تحتاج التجمعات البدوية والرعوية، بشكل عام، الى أراض للرعي، في حين يسعى الاحتلال الى تقليص مساحة الأراضي لدى الفلسطينيين. فهو ينتقم من المواشي أيضا بقتلهم وتسميمهم وحتى احتجازهم في سجن خاص بهم في منطقة الأغوار، كونهم تجاوزوا المناطق الخاصة بهم ودخلوا الى المستوطنات أو المحميات الطبيعية أو المناطق العسكرية للرعي، حيث يطلب من أصحابهم دفع غرامات لتخليصهم.

اتبع الاحتلال سياسة التركيز في كلا المنطقتين، أي تجميع السكان البدو في بلدات أنشأها لمنعهم من التنقل واستخدام الأراضي، التي كانوا يملكونها في النقب. أقام عدة بلدات في النقب منذ العام 1968، وأقام تجمعا سكنيا في النويعمة في منطقة الأغوار. قد فشلت خطة العدو، خاصة وإن أهل النقب عادوا الى قراهم الأصلية بعد الانتهاء من الحكم العسكري وطالبوا بالاعتراف بقراهم، وإمدادها بالمياه والكهرباء والبنى التحتية وشق الطرق للوصول اليها، بدلا من محيها عن الخارطة، ولم تستقطب البلدات المستحدثة إلا أقل من نصف الفلسطينيين.

ولكن، بالنسبة للصهاينة، التركيز ليس إلا حلا مؤقتا لجأوا اليه، قبل التهجير، كما حصل في قرية أم الحيران في النقب، وفي عدة مناطق من فلسطين، وكما يحصل اليوم مع التجمعات البدوية في منطقة القدس. الفكرة الأساسية التي ينطلق منها الصهاينة هي أن الفلسطينيين طارئين على البلاد وليسوا متجذرين فيها، ويمكنهم الانتقال الى البلاد العربية الشاسعة. بالتالي يمكن ترحيلهم ونقلهم من منطقة الى أخرى، وفقا لمقتضيات المرحلة، فهم مقيمون في البلاد مؤقتا، بانتظار الحل النهائي كما يتصورونه. من هذا المنطلق، فأي اتفاق يوقعه الصهيوني ليس إلا لتكريس مرحلة مؤقتة تسمح له بمواصلة مشروعه الأساسي، كما أثبتت اتفاقيات أوسلو الموقعة عام 1993 مع منظمة التحرير الفلسطينية، التي لم تكن اتفاقية "سلام" إلا في أذهان الموقّعين الفلسطينيين.

يواصل العدو مشروع الاستيلاء على كل فلسطين، من نهرها الى بحرها ومن النقب الى الأغوار، كما خططت الحركة الصهيونية العالمية، ويسعى الى السيطرة على المنطقة كلها، من النيل الى الفرات، كما حلم بها، خاصة بعد اتفاقيات الذل التي وقّعتها بعض الدول العربية في الخليج مع كيان الاحتلال، وأهمها اتفاقيات أمنية واقتصادية وثقافية، التي تمكّن العدو من قتل وتهجير الفلسطينيين وتدعم التزييف الصهيوني لتاريخ المنطقة.

لكن، رغم كل الدعم الذي يلقيه من أنظمة عربية استبدادية طارئة، ومن المجتمع الدولي المتواطئ معه منذ العام 1948، ورغم توهّم بعض الفلسطينيين، في الأراضي المحتلة عام 1948 أو 1967، أنه يمكن تحصيل بعض الحقوق من خلال التفاوض أو المساومة، لم يتمكّن العدو من القضاء على الشعب الفلسطيني وعلى تطلعاته التحررية وعلى الشعوب التي تدعمه وتدعم جهاده، إذ يكفي مثل قرية العراقيب وأهلها في النقب المحتل، التي تقاوم وحيدة منذ أكثر من عشر سنوات، وتتحدى الاحتلال بعد أكثر من 180 عملية تدمير خيمها، وتصمد في الشتاء القارص والصيف الحار، للتأكد من عزيمة الشعب الفلسطيني التي لا تلين، ومن قوة إرادته للصمود والتمسك بالأرض والحق، ومن حتمية إزالة الكيان ومستوطنيه، كونه كيان طارئ بلا جذور في المنطقة ولا يمكن التعايش معه ومع مستوطنيه.

انشر عبر
المزيد