الاستيطان الاقتلاعي الصهيوني: النقب والأغوار مثالا

22 تشرين الثاني 2019 - 02:35 - الجمعة 22 تشرين الثاني 2019, 14:35:31

بقلم: راغدة عسيران

يشكل اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه أحدى أبرز سمات الاستيطان الصهيوني على أرض فلسطين. وتجسدت سياسة الاقتلاع في النكبتين: الأولى والثانية (1948 و1967) حيث طردت العصابات الإرهابية الصهيونية ثم جيشها، أكثر من مليون فلسطيني من أرضهم وممتلكاتهم ووطنهم، من معظم المناطق، باقتراف المجازر الدموية بحقهم وترهيبهم. ما زال المؤرخون ينبشون الى الآن، في ذاكرة اللاجئين وفي أرشيف الكيان الصهيوني والدول الامبريالية والمؤسسات الدولية، تفاصيل عمليات الاقتلاع التي أوجدت قضية اللاجئين واللجوء الفلسطيني من جهة، والتي شارك بها المجتمع الدولي، بما فيه الدول العربية والإسلامية، بالسكوت عنها أو بتأييدها، من جهة أخرى.

الى اليوم، يواصل الكيان الصهيوني سياسة الاقتلاع والاحلال، أي طرد الشعب الفلسطيني لتحلّ مكانه مجموعات إستيطانية يهودية يستحضرها كيان العدو من أجل سيطرته وسيطرة القوى الامبريالية على المنطقة. ولكنه غيّر استراتيجيته، كما يرى الباحث عبد الغني سلامة واستبدل "الترانسفير الجماعي" بسياسة "الترحيل القسري البطيء والممنهج، بأقل قدر ممكن من الضجيج، وعلى فترات زمنية طويلة"، وإن كان هذا الترحيل الى مناطق أخرى داخل فلسطين. فهو ينطلق من فكرة أن الفلسطينيين غير متجذرين في أرضهم، هم فقط "مقيمين" يمكن ترحيلهم من مكان الى آخر وفقا لمخططات الاستيطان، وبذلك يمنعهم من الاستقرار على "أرض إسرائيل".

تتجسد اليوم سياسة الاقتلاع في النقب المحتل عام 1948 والأغوار المحتلة عام 1967، التي تجمعهما خصائص عدة، منها الموقع الجغرافي الاستراتيجي، والمساحة الشاسعة، والسكان البدو ووفرة المعادن.

الأغوار.. "السلة الغذائية للضفة المحتلة

تمتد منطقة الأغوار الفلسطينية على الضفة الغربية من  نهر الأردن، وتشكل مع السفوح الشرقية للمرتفعات الجبلية ما يقارب 1,6 مليون دونم، أي 28,8% من مساحة الضفة الغربية المحتلة.  بلغ عدد سكانها 55 ألف نسمة في السنوات الأخيرة، بما فيها مدينة أريحا، في حين كان عددهم قبل احتلالها عام 1967، حوالي 320,000 نسمة. يورد الباحث جهاد أبو ريّا مثال تجمع الحديدية شمال الأغوار، حيث بلغ عدد عائلاته عام 1967 ما بين 250- 300 عائلة أي حوالي 2500-3000 نسمة، أما اليوم، فلم يبق منهم إلا 14 عائلة يبلغ عدد أفرادها 114 نسمة فقط. ويقول أحد سكان قرية الفارسية أن عدد سكانها اليوم 241 نسمة، علما أن عددهم قبل الاحتلال كان يزيد عن ألف نسمة.

تقع الأهمية الاستراتيجية للأغوار كونها الباب الأوسع نحو البلدان العربية الأخرى، أولها الأردن. فاعتبر العدو، بعد احتلاله الضفة الغربية، أنه لن يتخلى عن منطقة الأغوار إن تمت تسوية مع القيادة الفلسطينية، وفي خضم المنافسة الانتخابية الأخيرة داخل الكيان الصهيوني، أعيد طرح مسألة ضم منطقة الأغوار الى الكيان الاستعماري الصهيوني، على غرار مدينة القدس والجولان السوري، بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها المائية والزراعية والمعدنية، إذ تُعد منطقة الأغوار "السلة الغذائية" للضفة الغربية، بسبب انتاجها الزراعي الذي تراجع تدريجيا نتيجة لسياسة المحتل، وحلّ مكانه انتاج المستوطنات الزراعية الذي يتم تصديره الى الدول الغربية بشكل أساسي. كما تحتوي منطقة الأغوار على ثروات طبيعية مثل الفوسفات والبوتاس والأملاح، والمعادن الثمينة مثل البرومين.

النقب تواجه زحف المستوطنين والاقتلاع

تقع منطقة النقب جنوب فلسطين، وتشكّل %60 من مساحة الأراضي المحتلة عام 1948. لم تكن منطقة النقب ضمن "الدولة اليهودية" في قرار التقسيم الظالم عام 1947، ولكن تم احتلالها كمناطق أخرى من فلسطين نظرا لموقعها الاستراتيجي، للفصل بين الأردن ومصر، وبين قطاع غزة والضفة الغربية. شرّدت قوى الاحتلال أهل النقب، حيث كان عددهم قبل النكبة ما يقارب 100,000 نسمة ولم يبق، بسبب التشريد والمجازر، إلا 13,000 نسمة تم تجمعيهم في منطقة"السياج" طول فترة الحكم العسكري (1950 الى 1970)، تمهيدا للسطو على 90 % من أرض النقب. اضافة الى اعتبار الفلسطينيين مقيمين في "أرض إسرائيل"، يمكن تشريدهم أو نقلهم وفقا لمخططات الاحتلال، لا يعترف العدو بوجود 38 قرية لها تاريخها وسكانها، تمهيدا لتدميرها، كما دمّر قرية عتير/ أم الحيران قبل سنوات وشرّد أهلها. يعيش ما يقارب 90,000 نسمة في هذه القرى، من مجموع حوالي 200،000 فلسطيني في النقب، أي 12% من فلسطينيي 48.

أقيمت فيما بعد سبعة بلدات لتجميع أهل النقب، الذين رفضوا ترك قراهم وأملاكهم وعادوا الى قراهم، متمسكين بوثائق ملكياتهم. في المقابل، زحف المستوطنون اليهود وبنوا مستوطنات زراعية فردية شاسعة (أرييل شارون مثلا) أو جماعية. استغلّ الصهاينة منطقة النقب التي أفرغوها من سكانها الأصليين لبناء مفاعل نووية (ديمونا) ومطارات حربية وثكنات جيش العدو ومساحات مقفلة للتدريب العسكري (مع الجيوش الامبريالية) ومناطق صناعية، منها المصانع الكيماوية. تحتوي منطقة النقب على مناجم الفوسفات والنحاس والصخور النارية.

استراتيجية الاقتلاع في الأغوار والنقب

تمثلت استرتيجية اقتلاع الفلسطينيين من منطقة الأغوار بإقامة المستوطنات الزاحفة، وشق الطرق لعزل القرى والتجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض وتفتيتها حيث تمر بعض الطرقات في وسطها، والسطو على الأراضي تحت بند "أملاك الغائبين" وتحويل معظم الأراضي الى مناطق عسكرية مغلقة (70% من أراضي وادي المالح مثلا) ومحميات طبيعية وإقامة تدريبات عسكرية قرب القرى والتجمعات السكنية الفلسطينية، حيث يطلب جيش العدو من سكانها النزوح عنها لفترات معيّنة. أضافت اتفاقيات "أوسلو" الى هذه الاستراتيجية اعتبار معظم أراضي الأغوار (91,59%) ضمن منطقة "جيم"، ما يعني أنها تقع تحت الإدارة الصهيونية، من الناحية المدنية والعسكرية. يسيطر العدو على المياه وحركة التنقل والامداد بالكهرباء وعلى تخطيط البلدات الواقعة تحت سيطرته، كما فعل في بلدة الجفتلك، المحاطة بثلاث مستوطنات. في الأغوار والنقب، يمنع بناء المدارس وتقديم الخدمات الصحية وتزفيت الشوارع.

 بعد انتفاضة الأقصى عام 2000 وتمدّد المستوطنات، تكاثرت حواجز الاحتلال لمنع دخول الفلسطينيين من الضفة الغربية الى الأغوار، ومنع القرى والبلدات في الأغوار من التواصل فيما بينها. وفي الفترة الأخيرة، كثفت قوات الاحتلال عمليات الهدم، من منازل ومنشآت زراعية، بحجة عدم الترخيص لبنائها، في الوقت الذي لم يمنح الاحتلال التراخيص للبناء في معظم المناطق المصنفة "جيم" في الضفة الغربية، كما أنه يلاحق التجمعات البدوية ويمنعها من الاستقرار، وينهب مواشيها ويبيعها في المزاد العلني أحيانا، ويسرق الآلات الزراعية وصهاريج المياه.

أقيمت منذ الاحتلال 37 مستوطنة موزعة من الشمال الى الجنوب، تضمّ 9400 مستوطن يسعون الى التوسع باتجاه القرى والتجمعات الفلسطينية لخنقها تدريجيا، كما هو حال قرية الفارسية، التي تقع شمال الأغور، بين ثلاث مستوطنات يهودية، والتي جزأتها طرقات الاحتلال الى عدة أقسام. وهدمت قوات الاحتلال ما بين عامي 2009 و2017 350 بيتا و719 منشأة في الأغوار التابعة لمنطقة طوباس.

بعد سقوط "مخطط برافر" الاقتلاعي الذي هدف الى تجريد فلسطينيي النقب من أراضيهم تحت مسمى "تسوية الأراضي" في محاكم الاحتلال، بفضل الاحتجاجات الشعبية في الداخل الفلسطيني والخارج التي فضحت المخطط الاستعماري، بدأ الحديث مجددا عن خطة اقتلاع أخرى بعد تراجع المدّ الشعبي الفلسطيني والعربي، تمس معظم القرى غير المعترف بها وتجميع أهلها في مخيمات أو "كرافانات" اللجوء. يهدد مثلا مخطط مناجم الفوسفات اقتلاع 11 ألف فلسطيني يعيشون في قرى الفرعة والزعرورة بالاستيلاء على 26 ألف و354 دونما من أرضهم، كما يستولي مخطط بناء سكة قطار "ديمونة – يروحام" على 3 آلاف و600 دونم من الأراضي ويدمّر قرية رخمة.

مواجهة سياسة الاقتلاع الصهيونية ممكنة، بتسليط الضوء على خطط الاحتلال وممارساته اليومية، وفضحه في الإعلام العربي والدولي، وبالربط بين كل المناطق الفلسطينية، المحتلة عام 1948 و1967، لتوضيح مخطط الاحتلال الذي لا يميّز بين المناطق الفلسطينية، وبناء خطة شاملة يشارك فيها الكل الفلسطيني لمواجهة سياسة الاقتلاع المتجذرة في الفكر الصهيوني، وتقديم الدعم للقرى التي تتحدى اليوم الاحتلال منفردة، كقرية العراقيب في النقب.

انشر عبر
المزيد