الأسرلة والإجرام

11 تشرين الأول 2019 - 05:31 - الجمعة 11 تشرين الأول 2019, 17:31:46

مدارس
مدارس

بقلم: راغدة عسيران

لا شك أن الكيان الصهيوني هو المسؤول عن تفشي الجريمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948. تشير الأرقام الى ذلك بكل وضوح، لدى المقارنة مع التجمعات الفلسطينية الأخرى، في فلسطين أو في اللجوء. رغم النكبة والتشريد والإفقار التي تسبب به العدوان الصهيوني، استطاع الشعب الفلسطيني، بكل فئاته وتجمعاته السكانية، الحفاظ على سلامه الداخلي بشكل عام، إذ لم يشهد موجة قتل ومحاولة قتل إجرامية كالتي يشهدها في الاراضي المحتلة عام 1948 منذ بضعة أعوام. تشير الأرقام الى ازدياد عدد الضحايا سنة بعد أخرى، رجالا ونساء، من 61 ضحية عام 2014 الى 75 ضحية عام 2018، و71 ضحية حتى الآن للعام 2019.

ولا شك أن تفشي الجريمة، أي القتل المتعمد للفلسطينيين من قبل شبكات الإجرام أو بعض الأفراد، لا يمكن أن تحصل دون رعاية الأجهزة الأمنية الصهيونية، أي الشرطة والشاباك وغيرها من أجهزة القمع والمراقبة التي يتفنّن الكيان الصهيوني بتشكيلها. أشار أكثر من باحث وسياسي الى أن هذه الأجهزة تعرف أو تتباهى بمعرفة كل ما يتعلّق بالتسلّح والسلاح في (الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67) والدول العربية المجاورة. فهل هي فعلا عاجزة عن معرفة من يحمل السلاح من أجل القتل داخل مجتمعه، وبالذات في داخل كيان الاحتلال ؟ 

ولا شك أن الكيان الصهيوني يستخدم تفشي الجريمة لتحقيق ما سعى اليه منذ انتفاضة الأقصى، التي أظهرت تماسك المجتمع الفلسطيني في الداخل حول الأهداف الوطنية. من خلال تفشي الجريمة داخل المجتمع وأساليب أخرى مباشرة أو غير مباشرة، يسعى الاحتلال الصهيوني الى تركيع المجتمع الفلسطيني وتفتيته الى مجموعات بشرية متنافسة ومتحاربة، ومنعه من التواصل مع شعبه في باقي الأراضي الفلسطينية واللجوء، وسلب هويته لصالح الأسرلة. أما الهدف المباشر الذي يأمل الكيان الاستيطاني تحقيقه، فهو إرغام الفلسطينيين للموافقة على إقامة ثكنات للشرطة داخل القرى والمدن الفلسطينية والتعامل معها كشرطة "شعبية تدافع عن المواطنين وتحميهم"، رغم المجزرة التي ارتكبتها في بداية الانتفاضة عام 2000 بحق الفلسطينيين المنتفضين لحماية القدس والأقصى، ورغم عمليات القتل والاعتقال والملاحقات السياسية، التي لم تتوقف يوما، وقد شهدت سنوات ما بعد الانتفاضة موجة قتل بحق الفلسطينيين ارتكبتها هذه الشرطة التي تريد المؤسسة الصهيونية نصبها في المجتمع الفلسطيني.

لهذه الأسباب، فالحديث عن "السلاح المرخّص" (سلاح المستوطنين، أكانوا في الأجهزة القمعية الصهيونية أم لا) و"السلاح غير المرخّص" (من قبل أجهزة القمع والقتل الصهيونية) مستغرب، كما هو مستغرب الحديث عن "العنف"، دون تحديد السبب، والجهة العنيفة والجهة المستهدفة من قبل هذا العنف، لا سيما وأن الحديث يدور عن مجتمع يعيش تحت الاحتلال العنيف والقمعي والقاتل، الذي يرتكب المجازر ويدمّر بيوت الناس ويقتحم المقدسات ويواصل التطهير العرقي في عدة أماكن من فلسطين.

 هل الشرطة في الجليل تختلف عن الشرطة التي تدنّس المسجد الأقصى ؟ أو التي قتلت قبل سنوات المربي يعقوب أبو القيعان في النقب أو التي أعدمت الطفل الشهيد نسيم أبو رومي قبل شهرين ؟ المشكلة ليست في ترخيص السلاح، إذ يحمل المقاومون سلاحا غير مرخصا، كما فعل الشهيد نشأة ملحم وغيره من الشهداء والأسرى. المشكلة تكمن في استهداف أبناء الشعب الفلسطيني، بالسلاح المرخص وغير المرخص، في كافة أماكن تواجده.  

المطالبة بسحب السلاح غير المرخص من أيدي العابثين بمجتمعهم لا يحلّ مشكلة تفشي الجريمة في الوسط الفلسطيني، كما كتب وصرّح عدد من المسؤولين السياسيين والباحثين، ومنهم الكاتب رامي منصور الذي رأى هذا الطرح "سطحي" لأن "الجريمة صنيعة النظام العنصري ذاته وليس مجرد فشل في أداء الشرطة" ويتجاهل "الظروف الاجتماعية التي خلقها هذا النظام، مثل أن مجتمعنا يغرق بالفقر والديون، وأن هذا الفقر ليس بسبب تقليص مخصصات الأطفال بل بسبب مصادرة الأراضي وتدمير الزراعة ومحاصرة البلدات العربية".

تقع مسألة الأرض ونهبها في قلب المواجهة مع المحتل الاستيطاني، كما صرّح محمد كناعنة، القيادي في حركة أبناء البلد، خلال المسيرة ضد الجريمة مقابل المجمع الاستيطاني "مسغاف" الواقع وسط البلدات الفلسطينية في الجليل، حيث طالب "مسغاف" باسترجاع الأراضي المنهوبة من القرى والبلدات المحيطة به، رابطا مسألة الجريمة بنهب الأرض، قائلا أن "الفقر هو أحد أسباب الجريمة، عدم وجود أماكن عمل، وعدم وجود مسطحات لقرانا، من أهم أسباب الجريمة"، و"مسغاف" مسؤولة عن الجريمة. فلذلك يجب المحافظة "على البوصلة ووحدة  شعبنا" لمواجهة المحتل.

في مقال لها، ميّزت القيادية في حزب التجمع الديمقراطي حنين زعبي بين العنف والجريمة بالقول "أن إغراق مجتمعنا بالجريمة ليس من أركان المخطط الصهيوني، وتبقى ثقة الدولة في السيطرة علينا كبيرة دون هذا الجانب (الإكسترا)... وأن الجريمة لا تمس عصب منطقة العداء والسيطرة الإسرائيلية علينا"،  كما تفعله "قضايا الأرض والهوية والنضال". ما يعني أن العنف الذي يمارسه الكيان الاستيطاني ضد الفلسطينيين يبدو أخطر من تفشي الجريمة، إذ يكون أحيانا مرئيا وأحيانا أخرى غير مرئي، كما هو الحال في عملية الأسرلة من خلال التعليم والإعلام وشطب الهوية الفلسطينية وإلحاق العمل الفلسطيني بالاقتصاد الصهيوني، ومحو القرى المهجّرة.

أما الباحث د. صالح نجيدات، فيفسّر بؤس المجتمع الفلسطيني في الداخل بفشل "نقل الموروث الحضاري الذي يحكم سلوكنا كمجتمع للجيل الحالي، ولذلك حدث ما يمكن تسميته بالفراغ التربوي، الذي تسربت من خلاله جميع المظاهر السلبية من عنف وجريمة وشرور أخرى تضرب مجتمعنا دون وازع أو رادع"، حيث أن هذا المجتمع وقع ضحية الاستعمار الصهيوني الذي سلبه الأرض من جهة وضحية النظام النيوليبرالي العالمي الساحق للانسان، والذي يجسده كيان العدو بكل تجلياته.

 في هذا الصدد، تشير الأرقام الحديثة الى أن عدد ضحايا العمل في الداخل المحتل عام 48 ارتفع الى 68 ضحية في هذا العام، سقط منهم 36 في فرع البناء، وهم ضحية العنف الاقتصادي الصهيوني غير المرئي.

 يضيف الدكتور المتخصص بعلم الجريمة أن"عملية الغزو الثقافي لعقول شبابنا وأجيالنا القادمة، وما يحدث من عنف وجريمة في مجتمعنا في الداخل، هو أحد مظاهر...  ثقافة العنف الدخيلة وغيرها من قشور الحضارة الغربية ومغرياتها الخارجية... والانتكاسات والإحباطات التي يشهدها المحيط القومي والتي تزعزع ثقة هذه الأجيال بثقافتنا وحضارتنا الأصيلة".

لقد عانت الشعوب الواقعة تحت الاستعمار من ويلات الجريمة المنظمة وغير المنظمة التي ضربت مجتمعاتها، ولم يعد خافيا لأحد أن المستعمِر هو من يبثها عندما يريد القضاء على وحدة الشعب وإضعافه. ولكن لا يمكن أن يتسلّل، عبر أدواته الخبيثة، إلا بعد أن تمّ إحداث اختراقات سياسية واقتصادية وتربوية داخل المجتمعات المستعمَرة.

انشر عبر
المزيد