قراءة في كتاب "حكاية سرّ الزيت" للأسير وليد دقة

06 أيلول 2019 - 01:07 - الجمعة 06 أيلول 2019, 13:07:49

كتاب حكاية سرّ الزيت
كتاب حكاية سرّ الزيت

بقلم: راغدة عسيران

يعتبر هذا الكتاب "العمل الأول لليافعين ضمن ما يمكن تسميته بأدب السجون الفلسطيني"، كما جاء في تعريف الكتاب لدار النشر التي أصدرته، مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، رام الله المحتلة. صدر في العام 2018، وكان الأسير وليد دقة (من أبناء الداخل الفلسطيني المحتل عام 48) قد انتهى من تأليفة في سجن جلبوع في صيف 2017. والمقرّر أن تتبعه حكايتان، "حكاية سّر السيف" التي تم تهريبها كمخطوطة الى خارج السجن، و"حكاية سرّ الطيف" التي "برسم الكتابة" (2018).

تكمن أهمية هذه "الحكاية" كونها إحدى مؤلفات الأسرى الذين يصارعون جلادهم من خلال الإنتاج الإبداعي في السجون، وهي أيضا من مؤلفات الأسير وليد دقة بالذات، الذي يستمر في الكتابة منذ أكثر من عقدين من الزمن.

يتابع ويناقش الأسير وليد دقة الوضع السياسي الفلسطيني والعربي، والأوضاع الاجتماعية والفكرية الفلسطينية، في الداخل المحتل عام 1948، كونه من أبناء باقة الغربية في المثلث، وفي بقية الأراضي المحتلة عام 1967، لا سيما فيما يخص اتفاقيات أوسلو والتنسيق الأمني مع المحتل.

يكتب أيضا عن الأوضاع في السجون الصهيونية، كونه معتقل منذ العام 1986، وقد تم توجيه له تهمة المشاركة في المقاومة. صدر كتابه الأول عن معركة مخيم جنين في نيسان/أبريل 2002، حيث وثّق شهادات قياديي المقاومة في المخيم الذين كانوا معتقلين معه، ومنهم القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، الشيخ علي الصفوري. وتعتبر "حكاية سرّ الزيت" أول رواية له ولكنها ليست الكتابة الأولى عن الطفولة أو الموجّهة الى الأطفال، حيث كان قد نشر سابقا بضعة نصوص على موقع "عرب 48".

تطرح "حكاية سر الزيت" موضوعات سياسية واجتماعية وأخلاقية، من خلال الحوارات التي تشكّل الأسلوب الأساسي في الرواية، حوارات بين الطفل "جود" والحيوانات الأليفة، وحواره مع أم رومي، شجرة الزيتون المعمّرة، وحواره مع أبيه الأسير، وحوار الأسرى مع بعضهم البعض، ومن خلال قصة الطفل "جود" المولود من نطفة تم تهريبها، الممنوع أمنيا من زيارة والده في السجن. تساعده الحيوانات التي تعاني أيضا من الاحتلال وتقدّم له "أم رومي" المقتلعة من أرضها، الوسيلة لزيارة والده دون أن يراه المحتلون والسجانون، وهي "سرّ الزيت" الذي يخفي ويظهر، ولكن بشروط.

لا يمكن الكتابة عن الضفة الغربية المحتلة دون الحديث عن الجدار والحواجز والاعتقال، وزيارة الأسرى وعذابات الأهل، والاستيطان واقتلاع الأشجار، وعن التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وقوات العدو.

يجمع كتاب "سرّ الزيت" هذه الموضوعات كافة. وتشكّل محاولة "جود" وأصدقاءه عبور الجدار مناسبة للحديث عنه، وهو الذي فصل ليس فقط بين الفلسطينيين وعائلاتهم، بل أيضا الأرنب السمّور عن أمّه "السريعة" وأخواته "حبّوب وشلهوب". الجدار هو ما يعبره الفلسطينيون، كبارا وصغارا، نساء ورجالا، للعمل في الأراضي المحتلة عام 1948، ويجازفون بحياتهم من أجل لقمة أولادههم أو من اجل تعليمهم. الجدار هو المكان الخطير الذي تحرسه دوريات جيش الاحتلال وكلابها، وتسدّ كل ثغراته، بحيث لم يتمكّن القط "خنفور" من اجتيازه إذا أكل وجبة كاملة قبل عودته الى الضفة الغربية، والتي وضعت أجهزة الإنذارعلى أرضه، وجرفت الأرض الملاصقة له لاعتقال وقتل المتسللين.

الاحتلال الصهيوني يتمثل ايضاب المستوطنات والطرق الاستيطانية، وبالارض التي ينبشها المستوطنون بآلياتهم الضخمة، التي تقتلع الأشجار المعمّرة والمفيدة، لتزيين المستوطنات المقامة في أراضي 48، وفي الإجراءات القمعية ضد الأسرى وأهاليهم خلال الزيارات.

يستطيع "جود" ورفاقه الدخول الى السجن بعد التخفي، واجتياز الحواجز كافة، ليصل الى القسم والزنزانة التي يتواجد فيها أبوه، وكل حاجز يدلّ على وسيلة قمعية: باب السجن الرئيسي، ثم الباب الثاني، ثم عنبر كبير، ثم الكلاب المفترسة والسجانين في كل مكان، ثم زنازين الانتظار، ثم الباب المؤدي للأقسام الذي يفتح ويغلق إلكترونيا، ثم باب آخر من الصفيح "يؤدي الى الفناء الخلفي للقسم". بعد الوصول الى الزنزانة، سيتم الحوار بين "جود" وأبية من خلال الشبّاك.

أثار الأسير وليد دقة موضوعات حساسة في روايته، منها التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة الفلسطينية والعدو من خلال قصة الكلب "أبو ناب". عمل "أبو ناب" في إحدى أجهزة السلطة التي ألحقته بدورة تدريبية مع "الامريكان"، الذين "كّسروا أنيابه" الأخرى، تلبية لشرط الصهاينة، لأنه كان "يكتشف بحاسة الشمّ ... الأفكار الخطيرة أيضا"، فنقلوه الى قسم التنسيق. تعرّف على المقاومين، ومنهم "أبو جود"، خلال الانتفاضة الأولى، ثم فرّ من قسم التنسيق، ليعيش مطاردا بعد أن فتح الاحتلال ملفا قديما له.

قد يكون الحوار مع الشجرة "أم رومي" والنقاش بين الأسرى حين عرفوا بسرّ الزيت من أهم الموضوعات التي تناولها الكتاب. يطرح الحوار مع "أم رومي" مسألة القضاء على "وباء العصر وهو فقدان الحرية... ولفقدان الحرية ظاهر وباطن، السجون والحواجز والجدار والأسلاك الشائكة... هي ظاهر فقدان الحرية، أما باطن الوباء فهو فقدان العقل والأخلاق"، أي الجهل، "وهو أخطر السجون وأشدها قسوة".

و"سرّ الزيت" يعالج الظاهر بالتخفي، وهذا ما سيفعله "جود" لزيارة أبيه في السجن، ولكن لمعالجة الباطن، عليه أن يفكّر صحيحا، ويبحث في عقله وعمله"حتى تكتشف باطن السرّ كي تعالج باطن الوباء" تقول له "أم رومي". من جهة أخرى، تربط "أم رومي" معرفة السرّ بالحرية، حيث أن "السرّ معرفة، والمعرفة تمنح مالكها قوة، والقوة خيارات، وأنت بهذا المعنى حرّ"، ولهذا السبب، العصفور أبو ريشة "ليس حراً" لأن "ابو ريشة يملك جناحين، ولكنّه لا يملك الخيار لاستخدامهما إلا للطيران"، وتشدّد على الأخلاق، ووجوب أن يكون القرار أخلاقيا عند امتلاك "سرّ الزيت" : "يغدو الزيت دواءً إذا اتخذت القرار الصحيح ويصبح خيرا إذا كان قلبك عامرا بالخير، وشرّاً إذا كان الشرّ يسكنه".

يناقش الأسرى، بعد معرفتهم "سرّ الزيت" الذي يخفي، مسألة القرار الصحيح. ماذا يمكن فعله مع هذا الزيت؟ اقترح أحدهم إخفاء المستوطنات، والآخر الشوارع الالتفافية، والجدار، فيما اقترح الأسير "الكلاشن" إخفاء السلاح و"كل شيء يلزمنا لنأمن هروبنا من السجن"، لينتقل النقاش الى ما هو ضروري الآن، وما هو السجن الذي يجب التحرر منه ؟ وهل "انسجنت عشان تتحرّر ولا عشان تحرّر؟" يسأل الأسير "نادر"، وهل الأسرى هم "أحق" الناس بالتحرّر، أم طفل بحاجة لعلاج، أم أطفال غزة "المسجونين في زنزانة كبيرة" ؟ يسأل أبو جود، تاركا الإجابة الى "جود" الذي يملك "السرّ". 

فقرّر "جود" تحرير "المستقبل، وهو أحق أسير بالتحرير" بعد أن تذكّر كلام "أم رومي" : "عليك اتخاذ القرار الأخلاقي الصحيح، عليك أن تبحث بالعلم حتى تكتشف باطن السرّ"، وهو الإظهار الذي يمكن أن يحرّر المستقبل.

في تسجيل محرّر يقول الأسير وليد دقة عن كتابه: "ليس السجن بأسواره وأسلاكه الشائكة هو الذي يأسرُنا فحسب، ولو سألتموني ما هو أهمُّ استخلاصٍ لك خلال هذه العقود الثلاثة التي أمضيتُها في السجن، لقلت بأنَّنا فقدنا فلسطين لا لأننا ضعفاء، وإنّما نحن ضعفاء بفعل الجهل، ومنقسمون بفعل الجهل. الجهل هو أشدُّ أعدائنا، والجهل هو أخطر السجون، وأنَّه يحوِّل عقلك لزنزانةٍ تحتجز فيها مستقبلك ومستقبل الأجيال القادمة.

لم يكن دافعي لكتابة "حكاية سرِّ الزَّيت" الإبداع، وإنَّما الصُّمود داخل الأسر، ولم يكن الصُّمود مُمكناً، كل هذه السنوات الطويلة، دون أن أحرِّر عقلي من زنزانته رويداً رويداً، وبقدر ما أرغب بالتحرُّر من السجن، أريد أن أنتزعه منّي."

(يطلب الكتاب من "مكتبة الحلبي" في بيروت، الموزّع الوحيد لمؤسسة تامر.)

انشر عبر
المزيد