عن التطبيع ومستوياته

17 حزيران 2019 - 01:11 - الإثنين 17 حزيران 2019, 13:11:35

بقلم: راغدة عسيران

أثارت زيارة الوفد الصهيوني الى تونس بحجة الحجّ الى جزيرة جربة و"كنيس الغريبة" موجة من الغضب في الشارع التونسي. ولكن ما أجّج هذا الغضب هو الزيارة التي قام بها هؤلاء المستوطنون الى مكان اغتيال الشهيد أبو جهاد (خليل الوزير) من قبل الموساد الصهيوني في بداية الانتفاضة عام 1988. وكاد يمرّ التطبيع عن طريق الحجّ الى جربة دون ردود فعل تذكر لو لم يتبجّح هؤلاء "الحجاج" بجرائم كيانهم ويهتفوا لجيشهم المجرم وهم على أرض تونس، مستفزين مشاعر الشعب التونسي والشعوب العربية، كما ظهر في شريط فيديو نقلته الشاشات الصهيونية.

في فلسطين المحتلة، وقرب مدينة رام الله، أظهر شريط فيديو مستوطنين صهاينة محمولين على أكتاف فلسطينيين يحتفلون بزفاف نجل رئيس مجلس قرية دير قديس، المنتخب على لائحة حركة فتح. وخلال شهر رمضان الماضي، دُعي مستوطنون من "كريات أربع" الى الإفطار، الى جانب شخصيات فلسطينية مقرّبة من السلطة الفلسطينية، التي قرّرت، كما أشارت بعض الصحف، الانتقال من مربّع السلطة الى نادي "صفقة القرن". رغم تكرار الحوادث التطبيعية في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلتين، خلال السنوات الماضية، إلا أن الظروف السياسية الحساسة التي تمر بها القضية الفلسطينية، ورفض السلطة الفلسطينية المنبثقة عن اتفاقيات أوسلو، لـ"صفقة القرن"، سلّطت الضوء على الحادثتين وعلى الإدانة الفلسطينية العامة لها.

إضافة الى المشاهد الاستفزازية للمشاعر العربية التي ميّزت هذه الحوادث التطبيعية، يطرح الرد عليها من قبل الجهات التي أدانتها، عدة أسئلة حول مناهضة التطبيع.

في تونس، لم تلتفت كافة شرائح المجتمع الى كون هؤلاء "الحجاج" مستوطنين صهاينة، دخلوا البلاد بجوازات الكيان، اذ اعتبرت بعض الأصوات أنه يجب احترام حرية إقامة الشعائر الدينية، أي الحج الى "كنيس الغريبة"، دون النظر الى دور هؤلاء الصهاينة، المنحدرين من أصل تونسي في الأغلب، في استيطان فلسطين والمشاركة في العدوان على أهلها.

يطرح هذا الموقف إشكالية العلاقة بين اليهود العرب بشكل عام والدول التي كانوا ينتمون اليها قبل تحولّهم الى مستوطنين في كيان العدو. في المغرب وفي تونس، يشكّل هؤلاء المستوطنون اليهود إحدى قنوات التطبيع المجتمعي والاقتصادي، حيث يلعبون دور الوسيط، بسبب انتمائهم الأصلي. فيما يمثل وزير السياحة التونسي الحالي، المنتمي الى الديانة اليهودية، أحد أقطاب التطبيع في تونس، الى جانب شخصيات غير يهودية، مثقفين ورجال أعمال.

الاختباء وراء الانتماء الديني والتذرع بالحريات الدينية لرفض إدانة هؤلاء الحجاج الصهاينة يشكّل دعما للكيان المحتل، لعدم التمييز بين اليهودية والصهيونية، واعتبار أن معاداة الصهيونية والمستوطنين اليهود يعني الكراهية للديانة اليهودية.

تبنى هذا الموقف الصهيوني حسن شلغومي، إمام فرنسي ذو أصول تونسية، الذي يقوم حاليا بزيارة الى المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، على رأس وفد من مسلمي فرنسا وبلجيكا، والذي صرّح أن "الدعاية المعادية للصهيونية ما هي إلا قناع يغطي معاداة السامية ويُستعمل لقول أشياء ضد اليهود بطريقة أكثر تهذيبا".

انتقد حسن شلغومي، الذي نصّبته الدوائر الصهيونية الفرنسية في مركز تمثيلي لمسلمي فرنسا، حركة مقاطعة الكيان المحتل، متهما إياها بمعاداة السامية، كما انتقد "الفلسطينيين" لعدم مشاركتهم في "ورشة البحرين" التطبيعية.

أما في فلسطين، فطبيعة الرد على الحوادث التطبيعية الأخيرة تطرح أسئلة حول تعريف التطبيع ومستوياته. فالاعتراف بوجود الكيان الصهيوني على 78% من أرض فلسطين يشكل مدخلا الى التطبيع، السياسي والمجتمعي والاقتصادي، ويفتح الباب واسعا أمام المبادرات التطبيعية، على كافة المستويات.

رسميا، تبرّر "لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي" التي ألّفها رئيس السلطة محمود عباس وألحقها بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 2012، مسيرتها التطبيعية بأنها تقوم بمهمة "نضالية" من خلال لقاءاتها مع المستوطنين وأحزابهم كونها تشرح لهم القضية الفلسطينية، وأنها تتواصل أيضا مع "بعدها الفلسطيني العربي في المجتمع "الإسرائيلي" الذي يشكل قرابة 20% من السكان"، ما يعني أن التواصل مع فلسطينيي الداخل، حسب "لجنة التواصل"، يندرج تحت غطاء "المجتمع الإسرائيلي" المعترف به، وليس تحت غطاء "وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة قضيته وأرضه" الذي لم يعد مطروحا لدى السلطة الفلسطينية.

هذا التطبيع الرسمي يرفض ويندّد بالمبادرات التطبيعية "العشوائية"، التي ظهرت في الفترة الأخيرة، لا سيما التي تعمل ضمن مشروع تسووي موازي للسلطة الفلسطينية، لإزاحتها أو إضعافها، والمدعوم من قبل أنظمة عربية منخرطة في المشروع الأميركي الجديد. ولكنه لا يعترض، بل يتماهى مع التطبيع المجتمعي الذي تدعو اليه المنظمات غير الحكومية الدولية، بتمويل الاتحاد الأوروبي ودول أخرى، والذي أفشله الوعي الوطني الفلسطيني، رغم ضخ الأموال الهائلة لانجاحه، بعد انتفاضة الأقصى.

يشيرالتقييم (2017) لورش أعمال "الاستراتيجية المبنية على التواصل"، الهادفة الى التطبيع المجتمعي بين "الإسرائيليين والفلسطينيين" في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، والمموّلة من قبل الاتحاد الاوروبي، الى فشل التجربة لعدة أسباب، رغم استخدامها لأساليب ملتوية، كالتشجيع على اللقاءات الشخصية عبر الجمعيات غير الحكومية والابتعاد عن طرح الأمور السياسية، تطبيقا لدراسات أكاديمية خاصة بالصراعات (إيرلندا وقبرص)، وظنا منها أن اللقاءات الشخصية وبناء الصداقات ستؤثر على المجتمع مستقبلا.

اعتبرت هذه الورش التطبيعية أنه بالامكان تقريب "المجتمعَين" ودعم مسار أوسلو التطبيعي الرسمي، بل الضغط الشعبي على المسؤولين السياسيين لكلا "المجتمعَين" لتطوير هذا المسار، من خلال اللقاءات الثقافية والرياضية.

اصطدمت هذه الاستراتيجية بالواقع الذي تعبّر عنه موازين القوى غير المتكافئة بين "المجتمعَين" وعنف المجتمع الاستيطاني واستعلاء أفراده وعنصريته الدفينة، وهذا ما أكّد عليه بعض المشاركين الفلسطينيين في هذه الورش التطبيعية خلال التقييم.

يرتكز مسار التطبيع مع الكيان المحتل على أسس عديدة، أولها الاعتراف بالكيان في حدود الأراضي المحتلة عام 1948، ووهم إمكانية إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، ثم على نبذ المقاومة وفكرة المقاومة، والاعتماد على "الشرعية الدولية" والمجتمع الدولي لإيجاد "حلّ" للصراع، في حين أن هذا الأخير يضغط، ماليا واجتماعيا، للقضاء على القضية الفلسطينية تحت شعارات "السلام" و"المصالحة".

كما يرتكز على سوء التنمية المستقلة في الدول العربية، اذ يتضح أن الاعتماد على الاستثمار الغربي لا يلحق فقط أضرارا بالاقتصاد الوطني والفئات الشعبية في البلاد، بل يؤثّر على القرار السيادي الخاص بالعلاقة مع الكيان الصهيوني، بسبب الضغوط التي تمارسها الدول الغربية والهيئات الأممية بشأن هذه العلاقة.

تتطلب مواجهة التطبيع رفض إملاءات الولايات المتحدة والدول الغربية عامة، الذين يشجعون على التطبيع الرسمي والمجتمعي ويضغطون بأموالهم وتقنياتهم وجيوشهم، من أجل تقبّل الكيان المحتل في المنطقة، والوقوف أمام المبادرات التطبيعية المدعومة من الهيئات الدولية ضمن شعار "حلّ الدولتين".

انشر عبر
المزيد