مجلس رام الله.. تغيير في الشكل وثبات في المضمون

08 أيار 2018 - 01:33 - الثلاثاء 08 أيار 2018, 13:33:27

المجلس الوطني الفلسطيني
المجلس الوطني الفلسطيني

وكالة القدس للأنباء – متابعة

سمير أحمد

لم تكد مقررات "المجلس الوطني الفلسطيني" في دورة انعقاده الاعتيادية الثالثة والعشرين، "دورة القدس وحماية الشرعية الفلسطينية" (30/4/-3/5/2018) ترى النور فجر يوم الجمعة 4 أيار، حتى تسابقت القوى والفصائل والشخصيات الوطنية والمحللين السياسيين على تسجيل المواقف المعترضة على مخرجاته السياسية والتنظيمية. فاليوم التالي لانعقاد المجلس لم يختلف كثيراً عن سابقه سوى بـ"تجديد" شرعية القيادة المتنفذة المسيطرة على "منظمة التحرير" و"السلطة" أمام الخارج والداخل، و"الإسرائيلي" الذي سهَّل انعقاد هذه الدورة التي قاطعتها فصائل وحركات فلسطينية وازنة من داخل "المنظمة" ومن خارجها. وعشرات الشخصيات الوطنية المستقلة

وشكك العديد من السياسيين بقدرة "المجلس الوطني" على تنفيذ القرارات التي اتخذها، وفي نفس الوقت أكدوا على أن قائمة أعضاء اللجنة التنفيذية "لجنة مطواعة" بيد الرئيس محمود عباس. وذكروا أن عباس حقق أهدافة السياسية التي يريدها، بينما قال آخرون إن "اللجنة التنفيذية" بما هي عليه لا تمثل الإرادة الفلسطينية الحرة، ولكن جاءت كي تدعم ما يسعى إليه عباس.

هذا الأمر يفسر بكثير من الوضوح المعنى الحقيقي لإصرار رئيس السلطة محمود عباس على عقد هذه الدورة في المكان والزمان الذي حددهما، متجاوزاً اعتراضات الفصائل والحركات الفلسطينية والشخصيات الوطنية، التي أصرت على عقد "مجلس وطني" توحيدي متحرر من حراب الاحتلال "الإسرائيلي"، وقادر على مواجهة مخططات الإدارة الأميركية وصفقتها "صفعة القرن"، التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية... مجلس توحيدي مؤهل لمواكبة تطورات "مسيرة العودة الكبرى"، بحشد طاقات الشعب الفلسطيني في الضفة والأراضي المحتلة عام 48 وفي بلاد اللجوء، على غرار ما هو قائم في قطاع غزة منذ الثلاثين من آذار/مارس الفائت، وصولاً إلى المسيرة الكبرى في الخامس عشر من أيار/مايو، الذكرى السبعين للنكبة، وما تحمله من مفاجآت وتطورات محتملة.

 

دورة تحت بساطير "الإسرائيليين"

وإصرار رئيس السلطة على عقد "المجلس الوطني" في المكان والزمان، وبالشكل الذي تمَّ فيه (بغياب حركتي الجهاد الإسلامي وحماس والجبهة الشعبية وعشرات الشخصيات المستقلة) طرح الكثير من علامات الاستفهام، وكشف البعد الحقيقي لعقد هذه الدورة، تحت حراب الاحتلال، وما تمخضت عنه من نتائج سياسية وتنظيمية.

فعقد المجلس الوطني في مدينة رام الله المحتلة والمستباحة كغيرها من مدن وقرى الضفة من قبل سلطات العدو الصهيوني وجيشها وأجهزتها الأمنية، من شأنه منح العدو "الإسرائيلي" المحتل الذي يتحكم بمعابر الدخول إلى الضفة، والانتقال عبر حواجزه العسكرية الـ450 المنتشرة في كل مكان، الحق بتحديد هوية "من يحضر في المجلس الوطني ومن لا يحضر"، كما قالت رسالة الشخصيات المستقلة إلى رئيس المجلس سليم الزعنون.. فهي (إسرائيل) التي تسمح أو لا تسمح، وهي التي تعطي الإذن لهذا أو تحجبه عن ذاك، من الفلسطينيين أو ضيوفهم من "العرب" والأجانب على حد سواء.

وقد مارست سلطات العدو صلاحياتها فمنعت عدداً من أعضاء المجلس الأخير من الدخول وسمحت لآخرين بدخول "جنَّة" المجلس الوطني. وهذا الأمر لطاما أشار إليه وأكده محمود عباس الذي أعلن أكثر من مرة وفي أكثر من مكان، وأمام أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة: "نحن سلطة بدون سلطة، وتحت احتلال بدون كلفة... وأنه هو نفسه (عباس) يعيش تحت بساطير الإسرائيليين (الأحذية العسكرية الإسرائيلية)". وهم يتحكمون بدخوله وخروجه، إلى ومن الصفة المحتلة!

والسؤال البدهي الذي يطرح نفسه هنا، هو، لماذا إذن تصر قيادة السلطة ورئيسها على عقد هذه الدورة "التاريخية" المدعوة لمواجهة "صفقة القرن" ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلتين تحت بساطير "الإسرائيليين" ونظرهم وبحماية أجهزتهم الأمنية؟..

وما معنى تصريحات كبار قادة السلطة التي أطلقت على هامش الرد على الداعين لعقد الدورة خارج الأرض المحتلة، وبعيداً عن حراب الإحتلال، حول "الحرية" التي يتمتع بها الحضور في رام الله داخل أروقة المجلس الوطني، سوى أنها دعاية مجانية لسلطات العدو، وشهادة منهم بـ"ديمقراطية" المحتل، واحترامه للرأي الآخر الذي تمثله السلطة ومجلسها الوطني!..

وهل بهكذا تصرف تتم مواجهة الاحتلال الصهيوني الذي يحاصر قطاع غزة منذ أكثر من عشرة أعوام وينفذ المجازر اليومية بحق المشاركين بتظاهرات "مسيرة العودة الكبرى" التي بدأت في الثلاثين من آذار/مارس الماضي، ويستبيح الضفة بكل مدنها وقراها، ويقوم بتدمير البيوت ومصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات، وبشن حملات الاعتقال في الليل وفي النهار بحق المجاهدين والأسرى المحررين والصحافيين، وحتى الأطفال والنساء، وغيرهم!..

 

قراءة في مخرجات المجلس وتوجهاته

وبعيدا عن المكان الذي يحتضن المجلس، ويؤثر في شكله ومضمونه، من البدهي القول أن عقد

دورة عادية للمجلس الوطني الفلسطيني بعد نحو 22 عاماً من الغياب، كان من المفترض أن تشكل فرصة لتشريح النتائج السلبية للمسار السياسي الذي غرقت به منظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية، والقضية الفلسطينية برمتها.. مسار "أوسلو" 1993 وأوهامه الموصوفة، ونهج المفاوضات العبثية الذي أوصل إلى الحالة التي تتخبط فيها القضية الفلسطينية، بغية تجاوز المآزق، وعدم الغوص عميقاً في الأزمة المستمرة... والتحرر من أسر نهج "أوسلو" ومساراته التفاوضية التي أفضت إلى الواقع الخطير والمأزوم الذي تتخبط فيه القضية الفلسطينية، وبالتالي الوصول إلى نقطة تحول إيجابية في مسار القضية، تؤدي لخطوة إلى الأمام على طريق استعادة الوحدة الفلسطينية وترتيب البيت الفلسطيني، لمواصلة الكفاح الوطني ضد المخططات الأميركية الغربية، وآخرها "صفقة القرن" ومخرجاتها التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية برمتها.

إلا أن جل ما جرى في "المجلس الوطني" لا يعدو كونه استعراضاً سياسياً عاماً لتاريخ القضية الفلسطينية قدمه رئيس السلطة، شدد خلاله عباس على "أننا لن نقبل بصفقة القرن ولن نقبل أن تكون أميركا وحدها وسيطاً في عملية السلام"، مضيفاً بأنّ «صفقة القرن» هي «صفعة» لإنهاء "السلام" كونها أخرجت قضيتي القدس واللاجئين والاستيطان من المفاوضات.

وسجل البيان الصادر عن المجلس الوطني مواقف أتت في معظمها تكراراً واجتراراً لقرارات وتوجهات سياسية سبق واتخذها المجلس المركزي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، والتي لم تخرج عن النهج السياسي، وخط المفاوضات المباشرة الذي تتبعه المنظمة منذ ما قبل اتفاق "أوسلو" في العام 1993، والمتواصل، بالرغم من كل المترتبات السلبية والأضرار الخطيرة التي لحقت بالقضية الفلسطينية بسبب هذا النهج، وأبرزها ما يلي:

 - "إدانة ورفض قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب غير القانوني، باعتبار القدس عاصمة لـ"إسرائيل" ونقل سفارة بلاده من تل ابيب إلى القدس، والعمل على إسقاط هذا القرار".

-   اعتبر المجلس "أن الإدارة الأميركية بهذا القرار قد فقدت أهليتها كوسيط وراعٍ لعملية السلام، ولن تكون شريكاً في هذه العملية إلا بعد إلغاء قرار الرئيس ترمب بشأن القدس".

- رفض الحلول المرحلية والدولة ذات الحدود المؤقتة، ودولة غزة ورفض إسقاط ملف القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود وغيرها تحت أي مسمى بما في ذلك ما يروج له كصفقة القرن وغيرها من الطروحات الهادفة لتغيير مرجعيات عملية السلام والالتفاف على القانون الدولي والشرعية الدولية.

 يدعو (المجلس) المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته، على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، من أجل إنهاء الاحتلال وتمكين دولة فلسطين من انجاز استقلالها وممارسة سيادتها الكاملة

على أرضها بما فيها القدس العاصمة على حدود الرابع من حزيران 1967.

 يكلف اللجنة التنفيذية بتعليق الاعتراف بـ"إسرائيل" إلى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران 67 وإلغاء قرار ضم القدس الشرقية ووقف الاستيطان.

 يؤكد (المجلس) على وجوب تنفيذ قرار المجلس المركزي في دورتيه الأخيرتين بوقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله والتحرر من علاقة التبعية الاقتصادية التي كرسها بروتوكول باريس.

 

إجترار المواقف السابقة

هكذا يكرر "الوطني" في دورته العادية، ما سبق وأعلنه المجلس المركزي، والاجتماعات المشتركة التي عقدت بين تنفيذية المنظمة ومركزية حركة فتح. وهو ما يشير إلى حالة من الدوران في حلقة مفرغة. فلا التنسيق الأمني توقف، وهو مستمر ومتواصل ويؤدي أدواراً أمنية في غاية الخطورة... ولا تعليق الاعتراف بـ"إسرائيل" أخذ طريقه إلى التنفيذ، وظل كغيره من القرارات حبراً على ورق.. ولا التبعية الاقتصادية تراجعت بل ازدادت مع تنامي المشاريع المشتركة بين كيان العدو والسلطة والأردن بتمويل أوروبي وياباني ورعاية أميركية.

أما المخرج والحل السحري الذي يطرحه "المجلس المركزي" بديلاً للرعاية الأميركية لمسلسل المفاوضات العبثية، فهو المشروع الذي قدمه محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي يدعو إلى عقد "مؤتمر دولي كامل الصلاحيات برعاية دولية جماعية تضم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وعلى أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وبهدف تنفيذها بما يضمن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإزالة المستوطنات وتمكين دولة فلسطين بعاصمتها القدس على حدود 1967 من ممارسة استقلالها وسيادتها وحل قضية اللاجئين وفقاً لقرار الجمعية العامة رقم 194 وإطلاق سراح الأسرى وحل سائر القضايا وفقاً لقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي بسقف زمني محدد.". علما أن هذه الدول مجتمعة عاجزة عن إصدار ولو بيان إدانة واحد ضد جرائم العدو الصهيوني وانتهاكاته الدائمة ومجازره التي يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني في القطاع المحاصر والضفة المحتلة!..

إن "المجلس الوطني" الذي يدعي التحرر من أسر العباءة الأميركية،  يعود من خلال هذا المقترح إلى بيت الطاعة الأميركي الذي يفرض نفسه على مجموع الدول الغربية التي لا تخفي تبعيتها للادارة الأميركية في هذا المضمار، وهو ما أكدته في مؤتمر باريس المنعقد في 4 حزيران 2016 بأنها لا تلزم "إسرائيل" بالتعاطي مع شروط أو قرارات على خلاف رغبتها، ولم تحدد جدول زمني بين الجانبين (الفلسطيني والإسرائيلي)، أو إلى مسألة العودة إلى حدود عام 1967 كشرط أساسي للمفاوضات.

ان القيادة الفلسطينية المتربعة على سدة المنظمة والسلطة، كالمستجير من الرمضاء بالنار، تحاول الهرب من الادارة الأميركية إلى الحضن الأوروبي، ثم تعود وتفتح كوة في "جدار الرفض" لتدخل مجدداً عبر البوابة الأوروبية للبيت الأبيض الذي ما يزال يموِّل الكثير من أجهزة السلطة الفلسطينية، والأجهزة الأمنية بشكل خاص... ويسرِّب معلومات عن إمكانية إعطاء "السلطة" أربعة أحياء من القدس المحتلة، التي من المحتمل أن تصبح عاصمة لـ"دولة فلسطين" مستقبلية، وهي: (جبل المكبر، العيسوية، شعفاط وأبو ديس)

هذه المواقف التي اتخذها "المجلس المركزي" جاءت مشتقة من الواقع الذي وضعت فيه، ولا تخرج عن النهج السياسي وخط المفاوضات العبثية الذي تسير عليه قيادة السلطة والمنظمة والذي تتمسك فيه كخيار وحيد لا رجعة عنه... مثلما جاء الأشخاص الذين دخلوا "جنَّة" اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والمجلس المركزي، القدامى والجدد في معظمهم، كنتاج لمرحلة "أوسلو" ويحملون جيناته بما فيها من عجز وفشل.

 

"المركزي" يستولي على مهام "الوطني"

هكذا أرادت قيادة "السلطة" التي أصرت على عقد هذه الدورة في المكان والزمان المحددين وبغياب فصائل وحركات وشخصيات وطنية وازنة.. وهكذا عملت للحفاظ على القديم بكل ما فيه. وفوق ذلك أعطت للمجلس المركزي صلاحيات المجلس الوطني في المجالين السياسي والتنظيمي، والمتعلق منها بملء اية فراغات قد تحصل في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير... وتؤهله لحل "المجلس التشريعي" الذي تحظى فيه حركة (حماس) على الأغلبية.

ان الزعم بأن "مجلس رام الله" يمثل إرادة الشعب الفلسطيني كما صرح العديد من القادة القدامى والجدد هو افتراء عظيم، بخاصة في ظل غياب العديد من الفصائل والقوى والحركات الفلسطينية (من داخل المنظمة ومن خارجها) وعشرات الشخصيات الوطنية المستقلة والهيئات الفلسطينية في بلاد اللجوء والمغتربات، والتي طالبت جميعها بتأجيل عقد هذه الدورة، والعمل وفق مقررات اجتماعات اللجنة التحضيرية لعقد المجلس الوطني التوحيدي التي التأمت في بيروت مطلع العام الماضي في 17 كانون الثاني/يناير بحضور الكل الفلسطيني.

وجل ما فعله هذه المجلس هو تعزيز الانقسام في الساحة الفلسطينية، وإعادة شرعية عباس المنتهية منذ العام 2009 بانتخابه رئيساً لـ"دولة فلسطين"، ورئيساً للجنة التنفيذية. في وقت يحتاج فيه الشعب الفلسطيني ألى مجلس وطني توحيدي يحافظ على المنظمة، ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني كله، تعيد صياغة المشروع الوطني الفلسطيني من أجل استمرار مقاومة الاحتلال على كامل الأرض الفلسطينية... والتصدي الجاد لصفقة القرن ومحاولات التطبيع العربية الرسمية الجارية على قدم وساق... وحشد الطاقات الشعبية في كافة الأراضي الفلسطينية: القطاع والضفة والداخل المحتل عام 48 وبلاد اللجوء للمشاركة في إحياء الذكرى السبعين لنكبة فلسطين، والانخراط في مسيرة العودة الكبرى في الخامس عشر من ايار/مايو الجاري.

 
انشر عبر
المزيد