ماذا بعد إجهاض «إسرائيل» حل الدولتين ؟

23 آذار 2018 - 10:45 - الجمعة 23 آذار 2018, 10:45:25

نتنياهو
نتنياهو

وكالة القدس للأنباء - متابعة

مقال بقلم / عوني فرسخ

عملاً بالاستراتيجية المجمع عليها تاريخياً لمنع إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة، مستقلة الإرادة والقرار، على أي جزء من أرض فلسطين، اعتمد صناع القرار «الإسرائيلي» تكثيف إقامة المستوطنات والبؤر الاستيطانية في معظم أرجاء الضفة الغربية المحتلة، وشق الطرق الالتفافية للتواصل فيما بين المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وربط غالبيتها بداخل الأرض العربية المحتلة منذ عام 1948، وإقامة جدار الفصل العنصري في عمق الضفة وليس على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967. ما يعني عملياً إجهاض حل الدولتين عن سابق قصد وتصميم، وفرض حل الدولة الواحدة بضم الضفة الغربية للأرض المحتلة عام 1948. وذلك بقرار «إسرائيلي» أحادي مُقرّ ومُؤيد أمريكياً.

غير أن الدولة الواحدة المفروضة لن تكون «دولة يهودية» لا من حيث الأرض، ولا من حيث السكان. إذ سيكون المواطنون العرب فيها نحو ثلاثة ملايين، ما يجاوز 32% من سكان الدولة الواحدة، ونسبتهم في تزايد طردي، نتيجة ارتفاع نسبة خصوبتهم قياساً بخصوبة المستوطنين. فضلاً عن تميزهم بكونهم أصحاب الوجود الطبيعي والتاريخي الممتد في أرض آبائهم وأجدادهم، ومتجذرون فيها. ولم يعد باستطاعة صناع القرار «الإسرائيلي» تهجير أي جزء منهم قسراً، لاختلاف الظروف فلسطينياً وعربياً ودولياً عما كانت عليه الحال عندما اقترفت القوات اليهودية جريمة التطهير العرقي في حرب 1948/1949، ما يعني أن الدولة الواحدة ستكون ثنائية القومية.

وليس من شك أن فرض «إسرائيل» حل الدولة الواحدة بقرار أحادي دليل على قدرتها على الفعل داخل ما تحتله من أرض فلسطين. وهي قدرة محكومة بما يتوفر من إرادة التصدي والممانعة، بدليل اضطرار حكومة نتنياهو فك البوابات الإلكترونية التي نصبها عند مداخل الحرم القدسي الشريف، وما يبدو من احتمالات التراجع عن القرار غير المسبوق في تاريخ فلسطين من فرض الضرائب على أملاك الكنائس. ومؤكد أن العمل بالقرارات العنصرية التي صدرت مؤخراً كاحتجاز جثامين الشهداء، ومنع جنازاتهم الجماعية، سيكون رهن ما ستواجهه من استجابة فاعلة لما تشكله من تحدٍ للقوى الملتزمة بالممانعة والمقاومة خياراً استراتيجياً، سواء في ذلك فصائل المقاومة والشباب والصبايا الذين كسروا حاجز الخوف من الجيش وأجهزة القمع «الإسرائيلية».

والمرجح أن ترث الدولة الواحدة ما تعانيه «إسرائيل» راهناً، بدءاً من سقوط أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وافتقاد «إسرائيل» قوة ردعها بالعدوان على لبنان عام 2006، وفشلها في استعادتها بعدوانها المتكرر على قطاع غزة المحاصر. بل وصيرورتها محكومة بردع متبادل في شمالها وجنوبها، وعجزها عن تصدير أزماتها الداخلية بالعدوان على جوارها العربي، وبالتالي تفاقم حدة أزماتها الداخلية.

ولطالما قيل بأن «إسرائيل» دولة بناها الجيش، وهو الذي أكسبها مكانة وهيبة أكثر من أي مؤسسة يهودية أخرى. فضلاً عن ارتباطها العضوي بالاستعمار والإمبريالية، والحرص على تزويدها بأحدث الأسلحة وأشدها قدرة على الدمار الشامل. غير أن هذا الجيش معرض لتآكل فاعليته بعد فقدانه القدرة على العدوان الخارجي منذ انسحابه المذل من الجنوب اللبناني في أيار/ مايو 2000.

وقد شهد الشعب العربي الفلسطيني في الوطن المحتل والشتات تطوراً مطرداً علماً ومعرفة ووعياً وطنياً وقومياً وفعالية في مقاومة المحتل وحضوراً على الساحة العربية والإقليمية والدولية. فيما أبدع بعض شبابه في المهجر الأمريكي والأوروبي حركة BDS الداعية لمقاطعة منتوجات مستوطنات الضفة المحتلة والاستثمار فيها.

وهي الحركة التي استقطبت تأييد قطاع متزايد من أحرار العالم، وبخاصة المثقفين وأساتذة وطلاب الجامعات الأمريكية والأوروبية، ما شكل بداية انحسار تأييد هذا القطاع المهم من الرأي العام «الإسرائيلي» ومزيداً من تعرية ممارساته العنصرية.

والمرجح أن إجهاض حل الدولتين لن يؤدي إلى إجهاض سلطة التنسيق الأمني الموظفة في خدمة أمن الاحتلال لقاء عيشها قيادة وقاعدة على «معونات» رعاة المشروع «الإسرائيلي». وأغلب الظن أن الدولة «الإسرائيلية» الواحدة لن تسمح بانهيار سلطة التنسيق الأمني، أسوأ ما تمخض عنه اتفاق أوسلو كارثي النتائج.

المصدر: صحيفة "الخليج" الإماراتية

انشر عبر
المزيد