القدس بين التهويد والتحرير

17 آب 2017 - 12:36 - الخميس 17 آب 2017, 12:36:56

في عام 1099 احتل الصليبيون (الفرنجة) مدينة القدس من المسلمين السلاجقة. وجاء الاحتلال تلبية لدعوة أطلقها البابا أوربان الثاني من دير كليمونت في جنوب فرنسا.

وبعد ان احتلوا أيضاً الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط، أعلنوا ان الله انتصر للمسيحية وللمسيحيين (مع أن المسيحيين الشرقيين كانوا أول ضحاياهم بشراً وكنائس).

وفي عام 1967 احتل الصهاينة (الاسرائيليون) مدينة القدس من المسلمين العرب. وجاء الاحتلال تلبية لدعوة أطلقتها حكومة "اسرائيل" والحركة الصهيونية المسيحانية في الولايات المتحدة معاً.

وبعد ان احتل "الاسرائيليون" الضفة الغربية ومرتفعات الجولان وصحراء سيناء، أعلنوا «ان الله انتصر لليهود» و«أنه أوفى بعهده لهم في اقامة صهيون تمهيداً لظهور المسيح المنتظر».

والسؤال الآن هو: متى ينتصر الله للمسلمين ويحررون القدس من جديد؟

عندما دخل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب مدينة القدس للمرة الأولى بعد تحريرها من البيزنطيين، امتنع عن الصلاة في كنيسة القيامة (حيث قبر السيد المسيح) حتى لا يتخذ المسلمون من مكان صلاته مسجداً فيما بعد، وأعطى البطريرك صفرونيوس «العهدة» التي تحفظ للمسيحيين في المدينة مقدساتهم الدينية وتضعها تحت اشرافهم المباشر.

ولكن عندما دخل الصليبيون (الفرنجة) المدينة، سفكوا دماء أهلها، حتى ان المؤرخين الصليبيين أنفسهم وصفوا المشهد في شوارع المدينة العتيقة «بأن الدماء وصلت الى ركاب الخيل».

وعندما استرجع صلاح الدين الأيوبي المدينة المقدسة، عيّن يهودياً وزيراً للمالية في حكومته، وأرسل طبيبه الخاص لمعالجة الملك الصليبي ريتشارد قلب الأسد (الانكليزي). ولكن عندما احتلت بريطانيا المدينة بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة الجنرال اللنبي، أطلق الجنرال مقولته المشهورة: «الآن انتهت الحروب الصليبية».. وعندما دخل الجنرال غورو (الفرنسي) دمشق بعد ذلك، وقف أمام ضريح صلاح الدين في دمشق وردد عبارته المشهورة أيضاً: «ها قد عدنا يا صلاح الدين».

وفي حزيران 1967 دخل الجنرال موشي دايان (وزير الدفاع الاسرائيلي السابق) المدينة المقدسة المحتلة يرافقه القس الانجيلي الأميركي بات روبرتسون.

الأول (دايان) اعتبر دخوله المدينة المقدسة استعداداً للمرحلة الثالثة، بتهويد المدينة وبناء الهيكل تمهيداً لظهور المسيح المنتظر (المرحلة الاولى كانت باقامة اسرائيل، والمرحلة الثانية باحتلال القدس).

اما الثاني (القس روبترسون) فاعتبر دخوله استعداداً «للعودة» الثانية للمسيح الذي تؤمن طائفة المسيحيانية الصهيونية الاميركية بأنه لن يعود الا الى صهيون.. وتحديداً الى المعبد اليهودي في القدس كما حدث في المرة الأولى.

وتتسابق في الوقت الحاضر حركتان في اتجاه القدس. حركة اسلامية لتحرير المدينة، ولكن حتى الآن لا تتجاوز هذه الحركة حدود الكلمات الحماسية والعاطفية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ومنذ أن أقرت قمة مؤتمر التعاون الاسلامي في الطائف في عام 1978 وضع استراتيجية اسلامية لتحرير القدس، لم توضع هذه الستراتيجية، وبالتالي لم تحرر القدس، بل لم تجر أي محاولة لتحريرها.

اما الثانية فهي حركتان لا حركة واحدة، حركة يهودية وحركة مسيحانية – صهيونية معاً. وتتكامل جهود الحركتين في العمل على تهويد المدينة بشراً وحجراً، ومن ثم على فرض أمر واقع في «جبل الهيكل» حيث يرتفع المسجد الأقصى الذي تعتبره الحركتان معاً، المكان الوحيد لإقامة المعبد الذي سيظهر فيه المسيح الحقيقي وفق الإيمان اليهودي؛ أو الذي سيعود اليه المسيحي المسيحي ( وفق الإيمان المسيحي – الصهيوني)!

تختلف الحركتان الصهيونيتان اليهودية والمسيحانية حول طبيعة المسيح المنتظر، هل هو العائد أم انه الأول والأساسي، ولكنهما تتفقان حول كل التفاصيل الأخرى: اقامة صهيون، تهويد القدس، تدمير المسجد الأقصى، وبناء الهيكل اليهودي.

أما دول العالم الاسلامي، فانها على العكس من ذلك، تتفق حول مبدأ تحرير القدس، ولكنها تختلف حول كل التفاصيل الأخرى: متى، وكيف يتم التحرير؟ ويبدو ان نصر الله مؤجل حتى تزول هذه الاختلافات (والخلافات).

وبانتظار ذلك، لا يجد المقدسيون، المسلمون والمسيحيون معاً، الرازحون تحت نير الاحتلال الصهيوني والمهددون بالتشريد من مدينتهم المقدسة، بدّاً من الصمود.. والمقاومة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا !

محمد السمّاك/ المستقبل

انشر عبر
المزيد