غضب يهود أمريكا من تراجع نتنياهو عن تفاهمات الحائط

03 تموز 2017 - 11:39 - الإثنين 03 تموز 2017, 11:39:08

بقلم: إسماعيل مهرة

منذ أسبوع تشهد علاقات إسرائيل مع يهود أمريكا على وجه الخصوص أزمة كبيرة جديدة، هي الأولى من نوعها في السنوات الأخيرة، أزمة وصلت إلى سجال قوي في وسائل الإعلام، وصل إلى درجة التهديد بتوقف يهود أمريكا عن تقديم التبرعات السخية لمئات المشاريع والجمعيات الإسرائيلية وبالتخلي عن دعم إسرائيل في المحافل السياسية الأمريكية، ووصل إلى درجة مقاطعة مندوبي الوكالة الصهيونية وأعضاء مجلس أمناء الفيدراليات اليهودية العالمية حفل عشاء مع نتنياهو بمناسبة الاحتفالات الصهيونية والاحتفال بانتخاب رئيس مجلس أمناء جديد للفيدراليات.

سبب انفجار الأزمة هو قيام الحكومة في اجتماعها نهاية حزيران الماضي، وبضغط من الأحزاب الأصولية، بتجميد ما يعرف باتفاقية تفاهمات الحائط، وإقرار مشروع قانون يحصر التهويد بالمحكمة الدينية العليا التابعة للحاخامية المركزية، الأمر الذي نظر إليه غالبية يهود أمريكا - المحسوبين على التيارين الليبرالي والإصلاحي - على انه عدم اعتراف بشرائعهم التي تختلف وتتمايز عن الشريعة الخاصة بالتيار الحاخامي الارثودوكسي، وحصر التفسير الفقهي للشرائع اليهودية بالتفسيرات الأكثر تزمتًا وتطرفًا وتشددًا، والتي تتبناها التيارات الحريدية (الأصولية)، وهو ما أثار هجومًا وانتقادًا شديديْن من قبل فريق كبير من الإعلاميين والسياسيين الإسرائيليين الذين اعتبروا ذلك تذبذبًا وتراجعًا آخر من قبل نتنياهو أمام الضغوط الحريدية تفضيلًا لمصلحة بقائه في الحكم على حساب مصالح إسرائيل و"الشعب اليهودي" العليا.

وكان مجلس رؤساء الكتل الائتلافية اتخذ في آذار 2016 قرارًا بمنح جزء من المناطق المحاذية لجنوبي الحائط كساحة حائط خاصة بصلاة التيارات الإصلاحية والليبرالية، حيث يُسمح لهم فيها بالاختلاط والمساواة بين الجنسين فيما يتعلق بأداء الشعائر الدينية، بما في ذلك السماح للحاخامات من النساء بالإشراف على أداء الشعائر الدينية وارتداء رداء الصلاة وكل ما يرتديه الذكور أثناء الصلاة، وقد بُدئ فعلًا في تأهيل ساحة خاصة بذلك، واعتبر الأمر آنذاك إنجازًا كبيرًا لـ "كفاح" حركات نساء الحائط، وتسوية لقضية متفجرة، حيث كانت الشرطة تقوم بالتوقيف والتحقيق مع النساء اللواتي يخرقن القانون الذي ينظم أداء الشعائر الدينية أمام الحائط.

يذكر انه منذ احتلال مدينة القدس سنة 67، وسيطرة إسرائيل على حائط البراق وتهويده؛ شرعت الحكومة الاحتلالية قانون منح صلاحية ومسؤولية وإدارة والإشراف على الشعائر الدينية في الحائط للحاخام المسؤول عن إدارة المقدسات الدينية، والذي بدوره يلتزم بالتفسير الأصولي للشرائع الدينية، واعتبر الأمر في ذلك الوقت انعكاسًا لاتفاقية الوضع الراهن التي حكمت علاقة الدولة بالدين وبالتيارات الدينية الأصولية. لكن منذ عام 67 حتى اليوم جرى الكثير من التغيير على التيارات الدينية اليهودية، فبات للتيارات الإصلاحية والليبرالية وجودًا هامًا في إسرائيل وحضورًا كبيرًا بين يهود أمريكا، وفعالياتهم الدينية باتت أكثر انتشارًا وتأثيرًا، وأصبحوا يحتجون بشكل دائم وقوي ضد تفرد الحاخامية الأصولية باحتكار تمثيل الشريعة وتفسيرها، ويطالبون الحكومة الإسرائيلية بالاعتراف بهم كتيارات دينية لها نفس حقوق وصلاحيات التيار الأصولي، بما في ذلك تقاسم وظيفة الإشراف الديني، وحقهم في محاكم دينية خاصة بهم، وحقهم في القيام بطقوس التهويد... الخ.

الصراع على تغيير الوضع القائم، الذي ينظم العلاقة بين الدين والدولة، من طرفي المتراس، يمر بمراحل من الصعود والفتور؛ فكل طرف يحاول تحسين مكتسباته، ويصل أحيانًا إلى التهديد بالانفجار، وفي أحيان كثيرة تستخدم في إطار الصراع على أصوات الناخبين، ودومًا كان ينحصر الصراع وتداعياته إلى حد كبير داخل حدود الدولة مع الأخذ بعين الاعتبار حساسية موقف يهود أمريكا، لكنة في هذه الحالة (الصراع على الحائط) وصلاحية التهويد فإن قطبي الصراع المركزيين هما الحكومة بزعامة نتنياهو وممثلي يهود أمريكا الأمريكيين والإسرائيليين.

على خلفية انفجار الأزمة، اضطر وفد من زعامة منظمة الايباك ان يصل إسرائيل على عجل، محاولين الوصول إلى حل وسط، ومذكرين لنتنياهو خطورة آثار الأزمة على علاقة اليهود بإسرائيل، وقدرة الايباك على التأثير على الإدارة الأمريكية في كل ما يخص دعم إسرائيل.

يقول شارانسكي، رئيس الوكالة اليهودية، ان قرار الحكومة يحمل تداعيات خطيرة على علاقة يهود أمريكا بإسرائيل، وأنه سيقود لوبي كبير للالتقاء بكل سياسي لتغيير الأمر. رئيس الحركة الإصلاحية ليهود أمريكا ريك جايكوبس صرح بأن "إلغاء تفاهمات الحائط وتشريع قانون التهويد هي ذروة أزمة خطيرة بين حكومة إسرائيل وبين يهود الشتات، ونشعر انه لا يوجد ما يمكن الحديث عنه مع رئيس الحكومة". مسؤول في الايباك يقول ان الأمر أبعد من مجرد وقف التبرعات، فهو يتعلق بطائرات اف 35 واستمرار دعم وحماية إسرائيل.

لا يبدو ان نتنياهو - وهو الأكثر دراية بالتيارات الفاعلة بين يهود أمريكا - لم يكن على إطلاع بمخاطر القرار، لكن ربما تفاجئ من شدة الاحتجاج على القرار، ولا بد أنهم يعكفون الآن على التوصل إلى تسوية تنفس الاحتقان بطريقة أو بأخرى.

المصدر: أطلس للدراسات

 

انشر عبر
المزيد