المرتزقة إذ يهاجمون خطاب الدكتور شلح!

17 أيار 2017 - 12:22 - الأربعاء 17 أيار 2017, 12:22:37

الدكتور رمضان شلح
الدكتور رمضان شلح

خالد العلي – وكالة القدس للأنباء

يروى أن حكيماً قال لملك: إن كنت تريد إهانة رجل فابعث عليه امرأة؛ وإن كنت تريد إهانة امرأة، فابعث عليها صبياً.  هذا قديماً؛ أما حديثاً، فإن كنت تريد التقليل من أهمية القضايا الكبرى والمصيرية، وتحويل النقاش الجاد إلى نقاش سطحي، فجهز جيشاً من المرتزقة.  وكيف تميز المرتزقة؟  ببساطة، انظر إلى العبارات والكلمات التي يستخدمها، ستجدها مليئة بألفاظ التبجيل والمديح لمن يستخدمه، أو على العكس من ذلك، مليئة بأوصاف التخوين والإساءة لمن هو موظف ضده.  والسبب في ذلك بسيط، أن عقل المرتزق لا يمكنه الذهاب أبعد من هذا.

ومنعاً من أي التباس، لا يتعلق الأمر بكون كاتب ما مع فكرة أو قضية أو ضدها.  لكل إنسان الحق في حرية التعبير، تأييداً أو رفضاً، لفكرة ما، أو لقضية ما.  فذلك يغني النقاش ويثريه؛ وغالباً ما تضيء أفكار المعارضين على ثغرات في الفكرة ذاتها أو في أسلوب طرحها، مما يفيد الفكرة أو يعزز القضية موضع النقاش، وإن جاءت من باب النقد.  لكن الأسلوب المعتمد هو الذي يميز بين الكتاب المفكرين والكتاب المرتزقة.

بالأمس، تناول كاتبان الخطاب الذي ألقاه أمين عام حركة الجهاد الإسلامي، الدكتور رمضان شلح، بمناسبة الذكرى 69 للنكبة.  أحدهما، لم يجد جواباً على سؤاله: "ما هو هدف التصريح وما هي دوافعه؟"، إلا كلمة واحدة: إيران.  وبحسب ما توصّل إليه: "يعني هذا التصريح ان ايران قررت التصدي لمبادرة الرئيس عمليا داخل الساحة الفلسطينية وستعمل على تخريبها.  ايران تعرف ان الحلف العربي لا يمكن ان ينجح دون ان يكون الطرف الفلسطيني موجودا وموحدا في هذا الحلف من خلال السلطة الوطنية.  في القريب العاجل سينشط كل حلفاء ايران في الساحة الفلسطينية". 

برأيي الشخصي، فالكاتب معذور؛ فهو يسقط حاله على الآخرين؛ وهو أمر معروف في علم النفس التشخيصي.  فهو لم يجد ما يردّ به على ما طرحه أمين عام حركة الجهاد إلا بوصفه بالعمالة لإيران.  وأقول إن الرجل معذور، ذلك أنه لا يستطيع التمييز بين لفظتي "الحلفاء" و"الأدوات"؛ فهو يفهم كل تحالف على أنه أداة، كما في نهاية مقاله: "على الفلسطينيين الا ينجروا لاهداف ايران وحلفائها/ادواتها في هذا الشأن، لانها بعيدة عن الهم الوطني والمصلحة الفلسطينية".  ويبدو واضحاً أنّه غير مطلع بما يكفي على مواقف حركة الجهاد الإسلامي، والعلاقة التي تربطها بإيران.

أما الكاتب الآخر، فكان أكثر حصافة، فناقش الخطاب من داخله، طارحاً جملة من الأسئلة، من قبيل: "هل كان يمكن إزالة الإحتلال الإسرائيلي لو لم توقع إتفاقيات أوسلو؟ ولماذا لم يتم تحرير القطاع حتى الآن، رغم حروب ثلاثة شنتها إسرائيل على القطاع؟ أين قواتكم وقوات حركة حماس ومن معكم من الإسلاميين في التحرير؟ ولماذا منعت من دخول القطاع المحرر عندما دخل خالد مشعل للقطاع؟ ولماذا لم يطلب من حركة حماس التخلص من تبعات اوسلو وإتفاقات الهدنة المذلة، التي وقعتها مع حكومات إسرائيل المتعاقبة؟ ولماذا لا يسمح لحركتكم ممارسة الكفاح المسلح من قطاع غزة؟ ولماذا لم يتم تشكيل "هانوي" في المحافظات الجنوبية، التي إختطفتها حماس من الشرعية الوطنية قبل عشر سنوات خلت؟ ولماذا لا توقف حركة حماس التنسيق مع دولة الإستعمار الإسرائيلية؟ ولماذا حتى الآن لم يتم تشكيل غرفة عمليات موحدة على الأقل لحركتي حماس والجهاد؟ لماذا لا تقبل حركة الإنقلاب الشراكة السياسية مع باقي القوى المتساوقة معها؟ ام أن حركة حماس يصح لها ما لا يصح لقيادة منظمة التحرير؟"

التمعن في طبيعة الأسئلة المطروحة يشير إلى أنها ليست من مستوى واحد.  بعض الأسئلة – وبغض النظر عن صوابيتها - خاص بحركة حماس، من مثل: "ولماذا لا توقف حركة حماس التنسيق مع دولة الإستعمار الإسرائيلية؟" ومثل: "لماذا لا تقبل حركة الإنقلاب الشراكة السياسية مع باقي القوى المتساوقة معها؟ ام أن حركة حماس يصح لها ما لا يصح لقيادة منظمة التحرير؟"  وبغض النظر عن الإجابات على مثل هذه الأسئلة، فإنّ توجيهها إلى أمين عام حركة الجهاد الإسلامي هو توجيه إلى العنوان الخاطىء.

أما الأسئلة من قبيل: "هل كان يمكن إزالة الإحتلال الإسرائيلي لو لم توقع إتفاقيات أوسلو؟" فمن يسمعه يظن أن الاحتلال قد زال فعلاً.  وكذلك السؤال الآخر: "ولماذا لم يتم تحرير القطاع حتى الآن، رغم حروب ثلاثة شنتها إسرائيل على القطاع؟  أين قواتكم وقوات حركة حماس ومن معكم من الإسلاميين في التحرير؟"، فإن جوابه بداخله: "حروب ثلاثة شنتها إسرائيل"، أي أن المقاومة كانت في موقف الدفاع، لا في موقع حرب التحرير.  وأما السؤال الخاص: "ولماذا منعت من دخول القطاع المحرر عندما دخل خالد مشعل للقطاع؟" فسؤال في غير محله!  فالدكتور شلح لم يطلب دخول القطاع لكي يقال إنه منع أم لم يمنع!

وتجاوزاً للدخول في جدالات تضيع الفكرة الأساسية للخطاب، فإن الكاتب – وبغض النظر عن أسلوبه – ركز هجومه على ثلاثة بنود وردت في الخطاب، تلك المتعلقة بسحب اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بالعدو الصهيوني، والدعوة إلى صياغة ميثاق وطني جامع، والحصار الاقتصادي على محافظات القطاع الناجم عن إجراءات الرئيس أبو مازن الأخيرة، حيث يرى الكاتب أنّ الدكتور شلح قد قفز متعمداً عن الحقائق!

أولى الحقائق التي يراها الكاتب هي: أن "اوسلو [التي] يمكن الجزم أنها ماتت، لكنها فرضت وقائع على الأرض الفلسطينية، وتمظهر عنها كيان سياسي فلسطيني، يمكن إعتباره نقلة نسبية للأمام في تجسيد الكيانية الوطنية"، بتعبيره.

للكاتب الحرية في أن يرى نتائج أوسلو كما يريد؛ لكن ليس له الحرية في أن يقول إن ما يراه هو الحقيقة.  فالكيانية مذهب ليس جديداً في الحالة الفلسطينية، وقد عبر عنها ذات مرة بعبارة "دولة ولو على ظهر حمار".  والواقع أن جزءاً من الفلسطينيين يرون أن القضية هي قضية كيان، على هيئة دولة.  ولكن الواقع نفسه يقول إن جزءاً آخر من الشعب الفلسطيني يرى أن القضية هي قضية وطن، لا قضية دولة، وقضية تحرير وعودة، لا قضية كيان.  ثم إن هذه الكيانية يجب النظر إلى ثمنها المدفوع، من تنسيق أمني، والتنازل عن 78% من أرض فلسطين، وربط المواطن الفلسطيني، ولا أقول الاقتصاد الفلسطيني، بالسوق الصهيونية وجعله فريسة"، والحديث يطول.

والحقيقة الثانية التي يراها الكاتب هي أن الدعوة إلى "صياغة ميثاق وطني جامع، بعد "تخلي" منظمة التحرير عن الميثاق الوطني." وهنا يكمن  بيت القصيد في كلمة ابي عبدالله. والذي يتوافق من حيث يدري او لايدري مع خيار حركة حماس بالإنقضاض على منظمة التحرير لفكها وإعادة تركيبها وفق مشيئة القوى الإسلاموية الإخوانية وغيرها"، ويضيف: "وأليس في هذا الشرط إنقلاب على المرجعيات الوطنية المحددة في الميثاق الوطني؟ وما هي المرجعيات التاريخية والقانونية، التي تريد ان تحددها؟ هل تخلت م.ت.ف عن الرواية الوطنية؟ هل غيبت النكبة الفلسطينية، وأسقطت الحق في العودة للاجئين إلى ديارهم وحقوقهم التاريخية في وطنهم الأم؟ وهل إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، التي تبنتها وثيقة حماس مؤخرا، باعتبارها محل الإجماع الفلسطيني مصلحة وطنية ام لا؟ ماذا تريد حركة الجهاد من الميثاق الجديد غير السيطرة على منظمة التحرير؟"

وصم هذا الكلام بالحقيقة تزييف للواقع.  ذلك أن دعوة حركة الجهاد الإسلامي إلى صياغة ميثاق وطني جامع" ليست جديدة، وتناولها الدكتور شلح في مناسبات كثيرة.  ثم إن هناك فارقاً كبيراً بين الدعوة إلى ميثاق وطني جامع، وبين فرض ميثاق على الآخرين.  فالجهاد تدعو الكل الفلسطيني، إلى صياغة ميثاق وطني جامع، فكيف يكون ذلك: "انقضاضاً على منظمة التحرير"، إلا إذا اعتبرنا أن الكل الفلسطيني متآمر على حاله؟! وكيف يكون ذلك سبيلاً إلى سيطرة الجهاد على الميثاق الجديد؟!

أما الحقيقة الثالثة، فيراها الكاتب على النحو التالي: "يتحدث الدكتور رمضان عن الحصار الإقتصادي على محافظات القطاع الناجم "عن إجراءات الرئيس ابو مازن الأخيرة".  ونسي شلح ان الحصار مفروض منذ اكثر من عشرة أعوام خلت.  وكأن لسان حاله، يدعو قيادة المنظمة للمحافظة على إنقلاب حركة حماس، ومده بكل مقومات البقاء؟! ولماذا هنا ايضا يقفز شلح عن الحقائق، ويغمض عينيه عن إسرائيل وحركة حماس في تجويع معلن للشعب في محافظات الجنوب؟ ولماذا ينسى امين عام الجهاد خيار جماعة الإخوان المسلمين التقسيمي للدول العربية وفي طليعتهم الشعب الفلسطيني؟ وفي ذات النقطة يقول شلح "ان قطاع اليوم برميل بارود على وشك الإنفجار، وإذا إنفجر فلن يبقي ولن يذر!" وهنا اعتقد انه اصاب من حيث الشكل في تشخيص واقع القطاع، ولكنه لم يشر في وجه من سينفجر القطاع. أستطيع أن أجزم هنا أنه سينفجر في وجه حماس ومن لف لفها وإسرائيل، وليس في وجه الشرعية الوطنية.

يبدو أن كاتب المقال، الذي يتهم الدكتور شلح بعدم الاطلاع على وثيقة حماس، لم يطلع عليها هو نفسه.. فحماس أعلنت فك الارتباط التنظيمي مع حركة الإخوان المسلمين، وله أن يصدقها وأن لا يصدقها، لكن السؤال هو: ألا يرى كاتب المقال أنه إذ يتهم حماس، ومن خلفهم الإخوان، بمسؤولية الحصار عن قطاع غزة، أنه يبرىء العدو الصهيوني من مسؤولية الحصار؟!  وهل أن الدفاع عن إجراءات رئيس "سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود"، وهو بالمناسبة الاسم الرسمي للكيانية الفلسطينية بحسب اتفاقية أوسلو التي يدافع عنها الكاتب، يتطلب ضرورة حرف الأنظار عن مسؤولية الكيان الصهيوني باتجاه الإخوان؟

والأهم من ذلك، هل أن استمرار الحصار على قطاع غزة من قبل العدو الصهيوني يبرر اتخاذ عباس لإجراءات تطال ما تبقى من مكونات الصمود، على أبواب زيارته إلى البيت الأبيض؟!  كيف يمكن لعاقل أن يدافع عن إجراءات اتخذت بحق أبناء شعب، ثمناً لسياسات، بغض النظر عن المسبب الحقيقي لها؟!  أليس هذا هو عين المنطق الصهيوني في الحصار؟!

أما الخاتمة التي ختم بها الكاتب، وقوله إن الدكتور شلح "أسقط رغباته على الواقع بشكل تعسفي"، فأترك الحكم فيها للقارىء الكريم!

انشر عبر
المزيد